حديث النبيﷺ عن ليلة القدر وأسرارها

نُشر في 28 فبراير، 2026 22:07 قراءة 8 دقيقة

حديث النبيﷺ عن ليلة القدر وأسرارها 

روي عن حضرة النبيﷺ :-

مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ 

( رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه)

وروي عن حضرة النبيﷺ

قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. ( متفق عليه)

* البيان*

قيام النهار بالصيام عن الطعام والشراب والغيبة والنميمة والظلم والإساءة لعباد الله تعالى

وقيام الليل لا يقتصر علي الصلاة لأن الأمر أساسه النية والقدرة علي ذلك:

فقيام الليل بقراءة القرآن جالساً أو مصليا وكذلك ذكر الله تعالى وكثرة الصلاة والسلام على حضرة النبيﷺ

وقراءة كتب العلم للتعلم والعمل وخدمة المريض وخدمة ورعاية الأب والأم مادم العبد نوي بالفعل القيام فالكل له نصيب من القيام

* اقوال العارفين في ذلك*

قال محمد المرون:-

ليس الشأن من صوم رمضان الجوع والعطش إنما الشأن صيام جوارحك السبعة الرأس وما وعى ،والبطن وما حوى . الصيام والقيام هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي في الظاهر والباطن

وتكون أعمالك كلها خالصة لوجه الله لا رياء فيها ولا سمعة ولا جزاء ولا شكوراً ، متبرئاً من حولك وقوتك وتدبيرك واختيارك

واقفاً بين يدي الله ورسوله عبداً مملوكاً تنتظر ماذا يفعل الله بك فإن اجتمعت فيك هذه الصفات كنت صائماً قائماً ذاكراً شاكراً وإلا فلا .

ومن شرف هذا الشهر أنه كل ليلة من ليالي رمضان يغفر الله فيها لسبعين ألف من العصاة من أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام

فإذا كانت الليلة الأخيرة من رمضان أعتق فيها بقدر ما أعتق في الليالي كلها ومعنى هذا كله أنما غفر الله لهم وأعتقهم من النار ببركة سيدنا محمد وبركة شهر رمضان.

وأما الرجال والفحول والكمل من الأولياء والصالحين فيزدادون کل نفس وكل ساعة وكل يوم وكل شهر وكل عام زيادة في الترقي والقرب والرضى والمحبة 

رمضان فيه ليلة القدر خير من ألف شهر هذه سيرة علماء الظاهر وأما علماء الباطن فلياليهم كلها ليلة القدر .

ومن شرف رمضان أن الحور العين تنادي كل ليلة منه يا ربنا إئذن لنا نهبط إلى السماء الدنيا لنرى أزواجنا ماذا يصنعون فيؤذن لهن فيهبطن إلى السماء الدنيا

فينظرن إلى أزواجهم فمن وجدنه ساجداً أو راكعاً أو تالياً أو يسبح أو مناجياً قالت : 

اللهم يا رب إني اشتقت إليه فعجل بروحه إلي وإن وجدته على غير ذلك قالت اللهم أبدلني خيراً منه .   {سلسلة أعيان المغرب } . 

ثانيا قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا:

روي عن حضرة النبيﷺ عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول اللهِ أرأيت إن وافقت ليلة القدر بِمَا أدعو؟ قال "قولي: اللَّهُمَّ إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعف عَنِّي".

لماذا هذا الدعاء خاصة ؟

والإجابة وردت في دعاء العارف بالله مطرف بن عبد الله فكان يدعو ويقول :-

اللهم ارض عنّا فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا فإنّ المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض . { المختار من مناقب الأخيار } 

وقال محمد المرون:-

من كرامة ليلة القدر أنه ينزل جبريل ومعه لواء الحمد ولواء الكرامة ولواء الرحمة ولواء المغفرة .

أما لواء الحمد فيضعه فوق الكعبة ، وأما لواء المغفرة فعلى قبر النبي ﷺ وأمـا لـواء الكرامة فعلى بيت المقدس ، ولواء الرحمة يضعه ما بين السماء والأرض يضع أطرافه في مشارق الأرض ومغاربها.

وما من مصل أو ذاكراً لله أو شاكر أو قارئ للقرآن أو مسبح أو مهلل ( أي يقول لا إله إلا الله ) إلا حفه هذا اللواء وعمته بما في هذا اللواء من الرحمة والعطايا والمواهب والفضل والمنح الإلهية .

ومن تمام كرامة شهر رمضان وليلة القدر أنه تهبط ملائكة الحساب الأعظم إلى الأرض فيطوفون على المساجد والزواية والبيوت والعباد أينما كانوا الذاكـريـن والمصلين على النبي والمادحين وأهل الأذكار والأوراد والأحزاب والأدعيات والتوسلات والمناجاة

.وفي ليلة القدر ساعة الإجابة :

في ليلة القدر الملائكة تؤمن على جميع من دعى الله بقلبه خالصاً خاضعاً متواضعاً خاشعاً خائفاً وجلاً من هيبة الله وعظمته مقبلاً على ربه قلباً وقالباً وحالاً ومقالاً .

فعند ذلك يستحق الإجابة وترجع الملائكة بحوائجك ومطالبك ومقاصدك وتصعد بها إلى سدرة المنتهى ثم تأخذها ملائكة القدس ثم إلى الحضرة الإلهية . {سلسلة أعيان المغرب }

* قال العارف بالله محمد ماضي ابو العزائم:- 

من العباد المخلصين من يرون الملائكة بعيون أرواحهم عند صفائها بسبب أنهم تشبهوا بصفات العالم الأعلى من الصيام والقيام والتسبيح وتلاوة القرآن والذكر

وقد يرى بعض الحاضرين فى المجلس الملائكة وغيره لا يراها لأن الرؤيا كانت بعين الروح لا بعين الجسد ، قال سبحانه (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا).

ورؤية الملائكة لأهل الصفاء هو فضل يعجله الله سبحانه وتعالى لهم ولا يقتضى نقص أجر العاملين الذين لم يروا الملائكة كما قال سبحانه وتعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

( صيام أهل المدينة المنورة لأبو العزائم 
 بتصرف يسير للتوضيح )

* تحديد ليلة القدر :-

أمرنا حضرة النبيﷺ بأن نبحث عنها في العشر الأواخر من شهر رمضان

فمن قام العشر الأواخر من شهر رمضان بالصلاة أو التلاوة أو الذكر أو خدمة المريض من صديق أو زوج أو زوجة وكانت نيته القيام بالخدمة فالكل له نصيب منها ولا حرج علي فضل الله تعالى

ومن العلماء من تحري ليلة القدر سنوات ووضع لها علامات يعرفها بها :-

الوجه الأول :-

منهم من قال إنها سبع وعشرون اعتماداً علي قول سيدنا عبد الله بن عباس وغيره من العلماء

أن الإنسان خلق من سبع ورزقه في سبع ومراحل تكوينه في الرحم سبع والسموات سبع والأرض سبع وجوارح الإنسان سبع فهي ليلة سبع وعشرين

لكن كثير من الناس رآها في غير ليلة سبع وعشرين فلعل الغالب في الأزمنة أنها تتكرر ليلة سبع وعشرين

الوجه الثاني:-

ومنهم من عد كلمات السورة فوجد الكلمة رقم سبعة وعشرون عند قوله ( هي ) حتي مطلع الفجر فعدد الكلمات يشير إلى أنها ليلة سبع وعشرين

الوجه الثالث .:

 قال الامام الغزالي وغيره من العارفين:-

إنها تعرف باليوم الأول من الشهر فإن كان أول يوم من رمضان هو يوم الأحد أو الأربعاء فليلة القدر هي ليلة تسع و عشرين

وإن كان أول يوم في رمضان يوم الاثنين فليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين

أو يوم الثلاثاء أو الجمعة فهي ليلة سبع وعشرين أو الخميس فهي ليلة خمس وعشرين أو يوم السبت فهي ليلة ثلاث وعشرين

قال الشيح أبو الحسن ومنذ بلغت سن الرجال ما فاتتني ليلة القدر بهذه القاعدة المذكورة، 

{حاشية إعانة الطالبين للدمياطي }

وقال العارف بالله اسعد اليمني اليافعي:-

قال بعضهم: رأيتُ الملائكة ليلة ستّ وعشرين من رمضان في بعض السنين وهم في حالة تعبئة وتهيئة كما يتهيأ أهل الزفاف قبله بليلة

فلما كانت ليلة سبع وعشرين وهي ليلة الجمعة وقتها رأيت الملائكة تنزل من السماء ومعها أطباق من نور

فلما كانتْ ليلة ثمان وعشرين رأيت تلك الليلة كأنها في حالة غيظ وحزن وهي تقول : هَبْ أنَّ ليلة القدْرِ لها حقًا يُرْعاه الناس أليس لي حقٌّ يُرْعى ؟

 قال الامام اليافعي:-

لعل حزن الليلة وغيظها على الناس لِتَرْكهم إحياءها مع كونها جارة لليلة القدر وحَقُّ الجار أن يكرم بشيء مما أكرم به جاره

وأما أطباق النُّور المذكورة فلعلها هديَّةٌ إلى من أحيا ليلة القدر فقد أناله الله تعالى شيئاً من بركة تلك الليلة والله أعلم .

وقد ذكر بعضهم أنه رأى في ليلة القدر كلَّ شيءٍ ساجداً لله عزّ وجلَّ حتى الشجر والحجر، ورأى الأنوار قد ملأت الوجودَ من العَرْشِ إلى الفَرْش

{ روض الرياحين ج٢ ص ٤٨٨-٤٩ } .

تتمة :-

لا تتوقف ليلة القدر علي الوتر كما قال النبي ﷺ لأن النبي قال اطلبوها في العشر الأواخر من رمضان

لأن مطالع الهلال تختلف من بلد الي آخر فتكون عندك ليلة زوجية وهي نفسها ليلة وترية عند الآخرين

وقد تكون في غير العشر الأواخر قد تكون في أي يوم من رمضان أو شعبان فهي تدور في السنة كلها لأن الرسول ﷺ بعث للعالمين الانس والجن المسلمين

فمنهم من يسكن علي الأرض أو في كواكب أخري فليلة واحدة علي القمر تساوي ١٦ يوما من الأرض وليلة علي المريخ بستة اشهر علي الارض

وفي القطب الشمالي ستة شهور نهار وستة شهور ليل فليلة القدر تدور في السنة كلها نسأل الله تعالى بلوغها والتوفيق فيها بالخير والبركة

ومما يؤيد هذا الكلام ما قاله العارف بالله عبد القادر الجزائري:-

قال عبد القادر الجزائري:-

هذه الليلة ممتزجة لا ضوء محض ولا ظلمة خالصة وكنت أنظر إلى ظل شخص فأراه متميزا وليس هناك نور زائد كما يتوهمه أكثر الناس وذلك في الخامس والعشرين من شعبان فلا تختص برمضان كما قال بعض العلماء،

وبعض الناس تكشف لهم أنوار في وسط السماء، أو في جوانبها، أو أنوار تشبه السرح فيظنون أن ذلك علامة ليلة القدر وليس الأمر كذلك

وإنما علامة ليلة القدر ما رواه مسلم في الصحيح إن الشمس تطلع صبيحتها ولا نور لها وقد شاهدت ذلك

فكانت الشمس كالترس النحاسي لا شعاع لها ولو كانت فيها كتابة لأمكنني قراءتها من غير كلفة وقائم هذه الليلة يحصل له ما وعد الله به ولو لم تنكشف له

والناس يرغبون في معرفتها ويطلبونها لأجل إجابة الدعاء فيها وكان الأولى أن يطلبوها لما وعد الله تعالى به من يقوم فيها بالعبادة على لسان رسوله ﷺ

كما قال من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

وأما الدعاء فلا يمكن الداعي أن يدعو تلك الليلة إلا بما سبقت القسمة الأزلية بحصوله وكان يطلبه بلسان استعداده .

وظاهر أمر النبي ﷺ بمراقبتها وطلبها إنما هو لإقامتها طلبا لما وعد الله من مغفرة الذنوب في حق عامة أهل الإيمان والعباد لا في حق الخواص الذين لا يريدون إلا وجهه، فلا يطلبون غيره

{ المواقف الروحية للجزائري}

والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم. وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد. وعلي آله وصحبه أجمعين.

* المراجع *

* صحيح البخاري ومسلم 
* تفسير سورة القدر للقرطبي
حاشية إعانة الطالبين للدمياطي الشافعي ج٢
* سلسلة أعيان المغرب العارف بالله محمد 
  المرون طبعة العلمية 
* المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير 
   الجزري ج٥ ص ٢٤ طبعة دار ابن كثير 
* روض الرياحين لليافعي اليمني طبعة دار 
  الفتح للنشر والتوزيع الأردن
 * المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري 
    موقف رقم ١٥٠ }طبعة العلمية 
* صيام أهل المدينة المنورة للإمام  محمد 
   ماضى أبو العزائم
* وانظر إحياء علوم الدين للغزالي 
.