حديث النبيﷺ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يراك

نُشر في 13 يونيو، 2023 11:31 قراءة 7 دقيقة

حديث النبيﷺ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يراك

روي عن حضرة النبيﷺ

الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يراك .... الحديث. رواه مسلم

* البيان : 

الحديث بأكمله في صحيح مسلم يتكلم عن الإسلام والإيمان والإحسان .الخ والإشارة هنا عن درجة الإحسان.

قول النبيﷺ فإن لم تكن :-

الإشارة بقوله لم تكن أي لم ولا تكون شئ له وجود وحيثية بأن تلغي وجودك وصفتك وذاتك وفعلك ووصفك وكينونتك 

حينئذ تري ربك في كل شئ وبكل شئ ومع كل شئ فإذا لم تحكم المراقبة بنظر الله تعالى إليك في كل لحظة لن تصل إلي الكشف والمشاهدة

فلا يكون في قلبك زوجة أو ولد او مال أو شهوة أن مكانة أو عزة أو إرادة بل تكن بين يدي ربك كالطفل في حجر أمه 

وتكن كالميت بين يدي من يغسله فإذا كان هذا حالك رأيت ربك ولكن :-

لا تستطيع أن تشهد ذلك إلا بالذوق والفعل لا بالكلام والفلسفة 

فقتل النفس من شهواتها ومرادها وإثبات ذاتها اصعب من ترويض النمر الشرس والأسد الجسور . 

* اقوال العارفين في ذلك:- 

كيف يَصِحُ لَكَ شيئ مِنَ التوحيد وَكُلَّمَا مَلَكْتَ شَيْئًا مِن الدنيا مَلَكَكَ وكلما رأيت شَيْئًا صرت أسيراً له

( أي ما دمت أسيرا لكل ما تهوي وتحب فكيف تكون عبدا لربك بل كيف تشهد مولاك وصورة كل شئ تحبه وتريده وتهواه تملأ قلبك إنزع الهوي تري من تهوي )

* قال الطيب بن بشير:- 

معنى إن لم تكن تراه أي إن لم تكن في المرتبة الإحسانية فإنه يراك ببصره القديم القائم بذاته المتعلق بجميع مخلوقاته الموجودات

يرى ذاتك وما فيها ظاهراً وباطناً  حتى شعرك شعرة شعرة بالتفصيل ويرى ما هو أدق من ذلك منك وأنت لا تراه، لا ترى ذاته

ولكن صاحب وحدة الأفعال يرى ضرباً من ضروب الذات بسر أن تشهد الله كأنك تراه .

واعلم يا أخي أن المراقبة الله من حيث نظره إليك كسبية والشهود وهبي والمشاهدة بينهما والمحبة ثمرة لكل منهما 

فالمحب لا ينام والعارف لا يلوم، والشهود لا يدوم فالولي تارة يشهد ربه، ولا يشهد معه فاعلاً وتارة يجهله فيشهد الأفعال من الخلق فيما يكون بينه وبينهم من الأقوال والأفعال،

ويكون شهوده لربه على قدر معرفته الحقيقة بالله تعالى فاعرف نفسك واعزلها عن الشرك به تعالى ( الشرك الخفي )  تعرفه . 

روي عن النبي.    انه قال  (من عرف نفسه فقد عرف ربه ) أي من عرف نفسه بألا تأثير لها في فعل عرف ربه الحي

ومن عرف نفسه بأنها معدومة بالنسبة إلى وجوده عز وجل عرف الله تعالى بأنه هو الموجود الواجب الوجود لذاته .

(النفس الرحماني لابن البشير ص ١٣٧  ) 

وقال أيضاً الطيب احمد بن بشير:-

الحضور مع الله تعالى على ثلاثة أقسام : أدنى ، ووسط ، وأعلى

فالأدنى هو المراقبة  والأوسط المشاهدة  والأعلى الشهود 

ومعنى المراقبة هو تحقق العبد برؤية الله تعالى لك  أينما كنت والمشاهدة هي  رؤية العبد  الحق  في كل ذرة من ذرات الوجود  والشهود رؤية العبد الحق بالحق للحق وما كل ما يعلم يقال .

(النفس الرحماني لابن البشير ص ٩٣ ) 

* وقال أرسلان الدمشقي:: 

يَا أَسِيرَ الشَّهَوَاتِ وَالْعِبَادَاتِ يَا أَسِيرَ الْمَقَامَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ أَنْتَ مَغْرُورٌ  أَنْتَ مُشْتَغلٌ بِكَ عَنْهُ  أَيْنَ الاشْتِغَالُ بِهِ عَنْكَ .

 وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ حَاضِرٌ نَاظِرٌ قال سبحانه وتعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ}  فِى الدُّنْيَا وَفِى الآَخِرَةِ فَإِذَا كُنْتَ مَعَهُ حَجَبَكَ عَنْكَ وَإِذَا كُنْتَ مَعَكَ اسْتَعْبَدَكَ لَهُ

( رسائل أرسلان الدمشقي) 

* قال العارف بالله علي وفا الشاذلي:-

إطرح الدنيا على أربابها وأقبل على مولاك بعدم الاشتغال بأسبابها ( أي خذ بالأسباب واجعل الدنيا بأسبابها في يدك لا قلبك ) 

وطهر قلبك من الأغيار ولا تدنسه بذكر جنة ولا نار ( ولا قصور وحور ...الخ )

فرق شاسع بين من يقصد الحور والقصور في الجنان وبين من يقصد مولاه لرفع الحجب ( والستور ) وينال مقام الإحسان وانقطع أمله عما سواه

فافني بأفعالك في أفعاله تصل إلى الله تعالى واخرج عن أوصافك في أوصافه تضمحل.

أنوار الربوبية لا تشرق إلا لمن طهر ظاهره من المخالفات وعمر باطنه بالمشاهدات

فاشهده في جميع المظاهر الأول منها والآخر ( لأنه الأول والآخر والظاهر والباطن)

وافن في مولاك حتى يكون هو عوضًا لك عنك لأنه سبحانه وتعالى تصرف فينا على ما سبق في علمه

فإذا نظرت لا تنظر إلا إليه وإذا نطقت لا تنطق إلا به وإذا أخذت لا تأخذ إلا منه وإذا قمت لا تقم إلا به

وإذا دخلت لا تدخل إلا له وإذا توكلت لا تتوكل إلا عليه لأنه لا وجود لشيء إلا به ( عندها تشهد مولاك بلا أين ولا كيف )

 فلا تميل إلى شيء سواء وأقبل بقلبك عليه

لأن إقبالك عليه حسنة لا تضر معها سيئة وإعراضك عنه سيئة لا ينفع معها حسنة

 لأنه ما من حركة ولا سكون إلا وهي بإرادته

فعليك بالتسليم في جميع أمورك لمولاك تذوق كأس الهنا 

وعلى قدر يقينك تظفر بتمكينك لأنه قال: «العبد عند ظنه بالله» أي :  إن خيرا فخير وإن شرًا فشر

فإذا أصلحت موضع نظر مولاك رحمك وهطلت عليك أمطار الحقيقة وظفرت بالمقامات العلية وكنت سيدا على سائر البرية

وذلك يكون بالذل والانكسار واتهام النفس وغض البصر عن تقصير الغير وشهوده بعين الرضا ومقابلته بكل خير.

ويقول الله عز وجل في بعض كتبه المنزلة : - 

يا عبدي لو سقتُ إليك ذخائر الكون فنظرت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا

( رسالة الفردانية لعلي وفا  بتصرف يسير )

* قال علي الجمل:- 

شغلك مع الله تعالى هو شغلك مع عباد الله وشغلك مع عباد الله هو شغلك مع الله عزّ وجل من غير زيادة ولا نقصان لأنه لا موجود في الحقيقة إلا الله وحده.

* وقال أبو الحسن الخرقاني:-

كل قلب انشغل بشئ سوي الله سبحانه وتعالى فهو ميت وإن كان مفعما بالطاعة .

* وقال محي الدين إبن عربي:- 

اعلم أن القلب وسع الحق سبحانه وتعالى الذي لم تسعه السماوات والأرض والمراد هنا بـ " السعة" العلم بالله تعالى 

فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله وعين بصيرتك تشهده فكأنك تراه بعين بصرك

فتعبده مطلقا ومقيدا وليس ذلك لغير هذه النشأة فلهذا جعل الله هذه النشأة المؤمنة حرمه المُحرَّم وبيته المُعظم. 

وكل من في الوجود يعبد الله على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن فإنه يعبده على المشاهدة. 

ولا يكمل العبد إلا بالإيمان فإنه النور الساطع الذي يزيل كل ظلمة

فإذا عبده على الشهادة رأه جميع قواه فما قام بعبادته غيره ولا ينبغي أن يقوم بها سواه

فإن لم تكن لك هذه المنزلة فأنا أدلك على الطريق إليها : 

اعلم أن الله خلق الخلق على أمزجة مختلفة وهذا مشهود بالبديهة والإنسان مرآة أخيه فيرى منه ما لا يراه الشخص من نفسه فالإنسان محجوب بهواه متعشق به

فإذا أبصرت هذه الصفة في غيرك رأيت عيب نفسك في غيرك فعلمت قبحها إن كانت قبيحة أو حسنها إن كانت حسنة

والمرائي مختلفة في الاستواء والاعوجاج والرسل أعدل الناس مزاجا ( وأصفاهم مرآة)

وسيدنا محمد رسول الله ﷺ  صاحب الرسالة العامة ومِزاجه يحوي مٍزاج جميع الرسل والأنبياء

فإذا أردت أن ترى الحق سبحانه وتعالى على أكمل ما ينبغي أن يظهر به فعليك أن تراه في مرآة قلب سيدنا محمد ﷺ
 
فاجعله إمَامَك والزم اتباعه وقد نصحتك فلا تطلب مشاهدة الحق إلا في مرآة نبيك ﷺ

واحذر أن تشهد ربك  في مرآتك أو أن تشهد النبي في مرآتك .  ولا تطأ مكانا لا ترى فيه قدم نبيك  ﷺ فضع قدمك موضع قدمه ﷺ

( رسائل ابن عربي الباب ٣٥٥ بتصرف يسير )

 والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم. وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد. وعلى اله وصحبه اجمعين .

* المراجع : 

*صحيح مسلم
*الكواكب الدرية لعبد الرؤوف المناوي
*تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ترجمة أبو 
  الحسن الخرقاني 
* مختصر الفتوحات المكية لابن عربي 
   د.احمد الجزار طبعة الثقافة الدينية 
*سلسلة أعيان المغرب علي الجمل 
*رسالة الفردانية لعلي وفا الشاذلي 
 * رسائل أرسلان الدمشقي
*  النفس الرحماني الطور الإنساني وشرحه 
  المسمى الجوهر الفريد في علم التوحيد 
  لأحمد الطيب البشير ص ٩٣  ،١٣٧ 
   بتصرف يسير طبعة دار كتاب  ناشرون 
    بيروت لبنان  )  
.