حديث النبي ﷺ ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة

نُشر في 09 مارس، 2026 21:09 قراءة 9 دقيقة

* روي عن حضرة النبي ﷺ

ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ وحفَّتهُمُ الملائكَةُ وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ]

( أخرجه مسلم ومسند الإمام أحمد)

وفي رواية:  ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده

( أخرجه الترمذي حسن صحيح ) 

البيان:-

الحديث يشير إلي أن الاجتماع لتلاوة كتاب الله تعالى ذكر  وأن الاجتماع لذكر الله تعالى بأسمائه وتوحيده مثل لا إله إلا الله وكذلك الصلاة على النبي ﷺ  فكل ذلك يعتبر من ذكر الله عز وجل 

الإشارة الثانية:

الي قوله (اجتمع ) إشارة واضحة الي اجتماع العباد في الخير مهما كان هو سبب من أسباب نزول الرحمة والمغفرة والسكينة لما فيه من التشبه باجتماع الملأ الأعلى وأنه افضل من الانفراد 

وان الاجتماع سبب لاجتماع القلوب حتي ولو كان بعضهم شارد الذهن والفكر فإن ببركة الاجتماع يرحم الكل مهما كانت أحوال بعضهم 

كما روي في الأثر ينظر الله تعالى في قلب الإمام ( في الصلاة ) فإن وجده صالحاً قبل صلاته وصلاة من معه فإن لم يجد قلب الإمام صالحاً نظر في قلوب المأمومين، فإن كانوا صالحين قبل صلاتهم وصلاة إمامهم.
فإن لم يجد قلوبهم صالحة غفر لهم بتجمعهم 

فالتجمع في كل عبادة وعمل صالح لا يخلوا من رحمة الله تعالى ومفغرته 

** أقوال العارفين في ذلك:- 

قال عبد الكريم  الجيلي :- 

السكينة :  هي روح إلهية يمد الله بها قلوب أولياء فيؤيدهم حتى تسكن المطالعة كماله قال الله تعالى في حق سيدنا عيسى  ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوح القدس) 

وهذه السكينة مخصوصة بالأنبياء وبالكمل من أولياء أمة سيدنا محمد ﷺ وسكينة أمة محمد ﷺ  هو ذلك الروح الإلهية التي تسكن بها القلوب إلى مطالعة العظمة والكبرياء

والسكينة لها في العبد سبع علامات : 

أحدها: أن تغشى وجهه أنوار الهيبة والوقار الثانية: أن ينطق بالحكمة الإلهية

الثالثة: أن ينبأ بالغيب. والرابعة: أن لا يسكن قلبه إلى غير الله تعالى ظاهرا وباطنا 

الخامسة: خمود أحكام النفس ( من شهوات وملذات ) بحصول الطمانينة 

السادسة دوام الترقي بالذهاب في الله سبحانه وتعالى 

السابعة: إجابة الدعوة عند طلبه للشيء بالقول أو بالهمة أو لمجرد الإرادة أي بمجرد التفكير في شئ يحققه الله تعالى لك قبل أن تسأله وذلك أعلى درجات الإجابة

واعلم أن السكينة تتعلق بالقلب والطمانينة تتعلق بالنفس فطمأنينة النفس على الإطلاق ذهاب الصفات المذمومة عنها وسكينة القلب على الإطلاق هو سكونه إلى الله تعالى 

والناس متفاوتون في هذا السكون فمنهم من سكونه إلى صفة جمالية. ومنهم من سكونه إلى صفة جلالية ومنهم من سكونه إلى صفة ذاتية. ومنهم من سكونه إلى صفة كمالية

ومنهم من سكونه إلى الذات المقدسة بغير واسطة من صفة بل سكون مطلق فهذا العبد هو الكامل الواقف مع الشؤون الإلهية الذاتية، فهو متأدب لكل تجل إلهي بما يلزمه من الآداب الكمالية وهو أعلى عارف بالله.

 ( الرموز الصوفية للجيلي )

* أما الذكر  : 

فهو هو عبارة عن الرجوع من الغفلة إلى الحضور وهو على مراتب  ذكر اللسان، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر، وذكر الجملة أي اللسان والقلب والروح والسر 

قال إبراهيم بن أدهم  الطريق إلى الله تعالى : هو دوام الذكر ودوام المخالفة  أي : مخالفة النفس 

وسئل النبي ﷺ  أيّ  المجاهدين أعظمُ أجراً قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً " 

قيل فأي الصالحين أعظم أجراً قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً " ثم ذَكَرَ الصلاة والزكاة والحج والصدقة

كل ذلك ورسول الله ﷺ يقول: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً " 

فقال أبو بكر لعمرَ يا أبا حفصٍ ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول ﷺ  أجل 

(رواه أحمد والطبراني.)

 * إذا جلا الإنسان مرأة قلبه بالذكر وتلاوة القرآن فحصل له نوره و الله سبحانه وتعالى نور منبسط على جميع الموجودات

 فإذا اجتمع النوران تكشف له الغيب ولا يحجب العبد عن هذا الكشف إلا الران علي القلب من الغفلة والذنوب والتعلق بغير الله سبحانه وتعالى 

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ: إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرًا. (رواه الطبراني والديلمي)

وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ: «علامة حب الله تعالى حب ذكر الله تعالى وعلامة بغض الله تعالى بغض ذكر الله تعالى  

(رواه أحمد والبيهقي في الشعب)

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله ﷺ قال: من عجز منكم عن الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله 

( أخرجه عبد بن حميد في المنتخب).

 وروي عن الحسن رضي الله  تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال فيما يذكر من رحمة ربه :

إن الله تعالى قال يا ابن آدم، اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما». رواه الشيخ عبد القادر الجيلي في «الغنية» 

وروي عن ذي النون المصري أنه قال :

ثلاثة من أعلام موت القلب:  الأنس مع الخلق والوحشة في الخلوة مع الله تعالى وافتقاد حلاوة الذكر للقسوة ( قسوة القلب)

 ( الأحاديث الزواهر العالية للايجي)

آداب الذكر:

واعلم أن الذكر في نفسه يقع على القرآن وعلى سائر التسبيحات والتهليلات والأدعية والأسماء والمناجات، ولكن اصطلاح الصوفية في مطلق الذكر على كلمة التوحيد

والذكر له هيئة مخصوصة وشروط معينة فمنها أن المريد لا يشتغل بالذكر إلا بعد تلقين الشيخ له إياه لأن الشيخ أعرف بمصالح المريد منه

فقد يكون لا يصلح لمزاجه إلا قراءة القرآن أو ذكر لا إله إلا الله أو كلمة الله الله فقط، أو غيره من الأسماء فليس له ملازمة شيء من ذلك إلا بتلقين الشيخ له إياه

ومنها هيئته في القعود للذكر فينبغي أن يجلس جلسته للتشهد لأنها جلسة المصلي والذكر عندهم بمنزلة الصلاة. 

وينبغي أن يبسط كفيه على فخذيه لأنها جلسة جبريل عليه السلام حين نزل على علي النبي في صورة أعرابي 

ثم سأل النبي ﷺ  عن الإسلام والإيمان الحديث فقال النبي ﷺ  إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) 

فقالوا ويحتمل أن يكون الجلسة مما أراد بها جبريل تعليم الجلوس لنا بين يدي النبي ﷺ فنحن نجلس تلك الجلسة بين يدي الله لذكره والله جليس من ذكره

ومن شروط الذكر  حضور القلب لفهم معنى كلمة التوحيد والناس مختلفون في ذلك على أنواع، بعضهم أعلى من بعض،

 فمنهم من يفهم من : كلمة لا إله إلا الله نفي سائر الآلهة فيثبت الوهية الحق وحده بقوله إلا الله وهذا ظاهر ما يعطيه معنى الكلمة وهو لعوام المسلمين

ومنهم من يفني بكلمة (لا إله) أنه لا وجود  سوى الله تعالى فلا يثبت موجودا سواه فيستحضر هذا المعنى عند التلفظ بالكلمة.

 ومنهم من يفني بالكلمة قوته وقدرته وفعله وإرادته فينسب جميع ذلك الي الله تعالى ويتبرأ من نفسه كلية  فيستحضر عند النفي انتفاء هذه الأشياء عنه ويتسحضر عند الإثبات إثباتها  لله تعالى وحده. 

ومنهم من يستحضر عند كلمة النفي انتفاء صفات نفسه التي هي الحياة والعلم والكلام وأمثال ذلك من السمع والبصر، ويستحضر عند كلمة الإثبات إثباتها لله تعالى

ومنهم من يستحضر عند النفي نفي ذات نفسه وعند الإثبات إثبات ذات الله تعالى وهذه أعلى مرتبة في استحضار النفي والإثبات عند الذكر

وأما ذكر القلب فإنه نتيجة ذكر اللسان، لأن العبد إذا داوم الذكر بحضور القلب وجمع الهمة أياما قليلة ينتهي منها إلى : 

أن يسمع ذكر القلب عند سكوت اللسان بعين الكلمة التي كان يذكرها بلسانه فلا يزال قلبه ذاكرًا مهما سكت اللسان 

ثم إن الله تعالى ما وصف بالكثرة شيئا إلا الذكر؛ وما أمر بالكثرة من شيء إلا من الذكر. قال: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾  وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كثِيرًا) . 

وما أتى الذكر قط إلا بالاسم (الله) خاصة بغير تقييد فقال: اذْكُرُوا الله، وما قال بكذا؛ وقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ولم يقل بكذا

وقال ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى لا يبق على وجه الأرض من يقول: الله الله، فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ

 لأنه ذكر الخاصة من عباده، الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها. فإذا لم يبق في الدنيا منهم أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها الله من أجله، فتزول وتخرب

وكم من قائل(الله) ولكنه ليس ذاكر بالحضور الذي ذكرناه فلهذا لم يعتبر اللفظ دون الاستحضار. (الرموز الصوفية عند الجيلي  ) 
 
* وقال محي الدين ابن عربي: 

أن ذكر الاسم المفرد الأعظم هو السبيل لتحصيل العلم اللدني الموهوب للخضر وأمثاله . وليس له طريق إلى ذلك إلا بأن يترك جميع المعلومات وجميع العالم من خاطره، ويجلس فارغ القلب مع الله

بحضور ومراقبة وسكينة وذكر إلهي بالاسم: (الله) ذكر قلب، ولا ينظر في دليل يوصله إلى علمه بالله تعالى 

فإذا لزم الباب فيتولى الحق تعليمه شهودًا كما تولى أهل الله كالخضر وغيره فيعلمه من لدنه علما من الوجه الخاص الذي بينه وبين الله تعالى فلا يطلع عليه غيره.

ومن أعظم ثمرات ذكر الاسم الأعظم (الله) التحقق بمعرفة الله تعالى 

( الفتوحات المكية لابن عربي) 

* وقال العربي الدرقاوي :- 

أما ذكر الاسم المفرد ( الله ) فنرى والله أعلم  أن الصواب أن يذكره الذاكر كما أقول له : بسكينة ووقار وإعظام وإجلال، وحالة نظيفة سنية شريفة واعتماد على الله تعالى 

وأن لا يذكر الله الله بلا مد قط؛ وليذكر: الله الله الله بوقف الإشباع ولا بد من  تشخيص حروفه الخمس ويستحضر تشخيصها بعين قلبه دائما

وهي: الألف واللامان والألف المحذوفة والهاء من غير أن يكتبها في شيء. ومهما زهق عن تشخيصها رجع إليه من حينه

ولو زهق عنه ألف مرة فإن الذاكر يفتح عليه الفتح الكبير في أقرب مدة ....( لكن بشرط أن يكون الذكر بهذا الاسم من خلال توجيه عارف كامل لا بنفسه ) 

( رسائل العربي الدرقاوي ) 

* ثالثاً: قوله  وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ :- 

فإن الرحمة تنزل عند تلاوة كتاب الله تعالى وعند ذكر الله عز وجل وتشمل كل من معه أو حوله أو الحاضرين

حتي وان كان عند القبور فمن ذكر الله تعالى أو قرأ كتاب الله تعالى فإن الرحمة تشمل الحي والميت لأن رحمة الله تعالى ليس لها حد ولا حدود ولا قيود 

* رابعاً  : وحفَّتهُمُ الملائكَةُ

أي تلتف حولهم في هيئة الحلقة تكريما لهم واعتناءا بهم ولذلك تجد بالفطرة السليمة 
أن من يجتمعوا لذكر الله تعالى أو تلاوة كتابه أو دراسة العلم يجلسون في هيئة الحلقة 

ووجود الملائكة حولهم ما هو إلا إثبات لمعرفتهم ومعرفة صفاتهم واسمائهم فيكونون معروفين في الملأ الأدني والملأ الاعلي 

* خامساً :- وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ

إعلم أن ذكر الله تعالى فيمن عنده من الملائكة ليس معناه أن الملائكة أعظم قدرا من الإنسان الذي هو خليفة الله تعالى في أرضه بل إن خيرية الملأ الاعلي بوجود ذكر الله تعالى بينهم ولولا ذلك ما كانت هناك مفاضلة 

فرؤساء الملائكة سيدنا جبريل وعزازيل ومالك وغير ذلك من رؤوساء الملائكة افضل من عامة المؤمنين أما الخواص من الأنبياء والمرسلين فإنهم افضل بلا شك 

وأما الصالحين والاولياء العارفين ففيها تفصيل ينظر إليه في العقيدة وليس هنا محل الكلام فيه قال تعالى ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات )

والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين 

* المراجع:- 

* صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد 
* وسنن البيهقي والطبراني وسنن الترمذي 
* الفتوحات المكية لمحي الدين ابن عربي  
  الباب ٣٩٦ من الفتوحات.
* بغية السالك في أشرف المسالك الساحلي 
   المالقي الأندلسي 
* الأحاديث الزواهر العالية المُصْطَفَاةِ 
   المُصْطَفِيَّة للْإِمَامِ  ابن عفيف الدين الابجي
*  السماع والمصطلحات والرموز الصوفية 
   عند عبد الكريم الجيلي وابن العربي 
* رسائل العربي الدرقاوي طبعة العلمية 
.
.