حديث النبي عن القلب الميت والحي
نُشر في 21 يناير، 2026 18:29 • قراءة 8 دقيقة
حديث النبي ﷺعن القلب الميت والحي
روي عن حضرة النبي ﷺ
مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ. ( متفق عليه)
البيان:
الحديث يشير إشارة خفية إلي الطريق إلي الله سبحانه وتعالى وأن المنبع والأساس الذي تبدأ فيه الطريق وتبني عليه هو القلب فإن أصلحت قلبك صلح الجسد كله وإن غفل وفسد فلقد أفسدت الجسد كله
أقوال العارفين في ذلك:-
* أركان الطريق الي معرفة الله تعالى ستة وعليها اجمع المحققون من العارفين جملة
وهي الجوع والسهر والصمت والعزلة ومخالفة النفس والذكر
بشرط ان تتبع الوسطية باتباع الشرع بلا إفراط ولا تفريط وأشدها هو مخالفة النفس ومداومة ذكر الله تعالى
ولذلك قال تعالى والذين ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )
جهاد المشركين مؤقت وله زمن أما جهاد النفس فهو دائم وأشد اعدائك نفسك التي بين جنبيك ويكون بمخالفتها فيما لا يوافق الشرع في القول والعمل
ومن دعاء الصالحين اللهم اجعل حركاتي وسكناتي وخطراتي وانفاسي كلها مرضية عندك يا رب العالمين
فإذا شئت أيها الطالب الصادق وأردت لقاء السعادة والراحة في الدنيا والآخرة وشهود المنة في السر والعلانية والمعرفة الإلهية
وأحببت بلوغ التحقيق وغاية العرفان فعليك بتطهير قلبك وغسل فؤادك بذكر ربك. الذي هو كالماء يطهر القلوب من الأدناس ويغسلها من الخبائث
وتكون جاهداً بصدق اللجوء والاضطرار إلى الله عز وجل وكذلك تطهير قلبك من كل علة كالغل والحسد والحقد ومطلق الحظوظ والشهوات
فإن ذكر الله أساس تدور عليه جميع الخيرات به تنال كل خير وفضل وبركة ورحمة وسعادة في الدنيا والآخرة
وتغسل قلبك من كل شهوة من الرياسة وحب الدنيا ومخالطة الناس إلا لضرورة عمل أو علم ورفض مجالس اللهو والغيبة والنميمة والكبر والتعجب والرياء والسمعة وما أشبه ذلك
من الأوصاف والأخلاق الذميمة لأنه لا سبيل لطهارة القلب من هذه الأكدار والأغيار جبلة الإنسان بحكم الطبيعة إلا بذكر الله عز وجل
وأعلم أن الذكر كالماء العذب مهما وقع في قلب [ نجس بتلك الأغيار والاكدار] إلا وتطهر من حينه بفضل الله وقوته كما تتطهر الأرض من النجاسة بالماء ويغسل به الثوب من الوسخ وجميع الخبث
ومهما نزل الذكر على قلب ميت بحب الشهوة والحظوظ ومتابعة الهوى إلا وأصبح حيا بفضل الله وكرمه بحب مولاه وعاش برؤية بهائه وسناه
كما يحيي الأرض بعد موتها بنزول الماء من السماء، وتعيش بأن تنبت العشب وتخضر بعدما كانت مغبرة
ومهما نزل الذكر بقلب إلا وسالت أودية المعاني فيه بقدرها كالماء إذا نزل من السماء، فسالت أودية بقدرها
ومهما نزل الذكر بقلب إلا واهتز بأنوار الذات والصفات وأسرار الجلال والجمال كالماء إذا نزل على الأرض ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ )
والأرض الهامدة هي الميتة فكذلك قلبك ارض هامدة لا تنفع بل قد تضر والحية تكون بذكر الله تعالى والتعلق به
قال سبحانه وتعالى :
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )
فكما جعل الله من الماء كل شيء حي كذلك جعل من الذكر الذي يحي أرضك وهو القلب فيصبح حي بذكر الله تعالى وينبت فيه كل فضل وبركة وخير ورحمة وحياة
فالماء تجلي عليه المولي عز وجل باسمه ( الحي) الذي يحي الجماد من ارض هامدة ويحي النفوس والأرواح والقلوب
فقول حضرة النبي ﷺ {مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر كمثل الحي والميت }
لأن الذاكر مغمور بأنوار من يذكره جل جلاله ومحفوف بأسراره ولأن الذكر وسيلة للمذكور والمذكور أزلي
قال تعالي : (فاذكروني اذكركم ) . فاذكروني بالإعراض عن الكون أذكركم واشكروا لي ببذل الأشباح ( الجسد ) ولا تكفرون بتعذيب الأرواح.
وأيضا فاذكروني في زمان الغفلة أذكركم بإنزال الرحمة وأيضا فاذكروني برؤية ذكري لكم في الأزل، قبل ذكركم لي أذكر نفسي لكم كما ينبغي لي لأنكم لا تطيقون أن تذكروني بحقيقة الذات والصفات، وكيف يذكر الحادث صفات القديم
وأعلم أن جميع المقامات والأحوال تعلل بعدم الإخلاص فيها أو [ برؤيتها ] أو حتي رؤية الإخلاص فيها إلا ذكر الله ليس له علة
إلا عدم كثرته لأنه كالماء كلما كثر يدفع عن نفسه الخبائث ألا ترى البحر كيف لا یغيره کدر لكثرة مائه ولو كان قليلا لكان يتكدر بحسب قلته
ألا ترى كيف وصف الله تعالى المؤمنين بالذكر الكثير فقال تعالى (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) فالمؤمنون بسبب كثرة الذكر أعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما
قال القشيري : والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه بل هو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر .
فالعبد إذا ذكر الله عز وجل، ذكره الله بسبب ذكره إياه وإذا ذكر الله عبده اطمأن قلبه إليه بسبب ذكر الله لك إذ قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
فذكر الله للعبد سابق بكل وجه، لأن ذكر الله للعبد قديم، وذكر العبد [ لله] حادث.
فالقلب لا يتطهر من رجس السوى ( كل شئ غير الله تعالى) ولا يغتسل من علة الهوى ولا يطمئن إلا بذكر المولى عز وجل
** تنبيه:-
قال أبي سعيد القرشي : من لزم نفسه أدب الشريعة نور الله قلبه بالمعرفة ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه صلي الله عليه وسلم.
( حلية الأولياء وسير أعلام النبلاء )
*وقال أبو حمزة البغدادي : من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول ﷺ
في أحواله وأفعاله وأقواله . إلى غير ذلك مما
ورد في فضل متابعة السنة الشريفة وموافقتها
ولو لم يكن إلا ما قال الله عز وجل :( ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة ) لكان فيه كفاية لمن أراد الله به خيرا وفتح بصيرته ونور سريرته
( طبقات الصوفية والحلية وطبقات الشعراني
* فإذا أحييت قلبك بذكر الله تعالى والصلاة على النبي فإنك تشهد ربك بقلبك وروحك فتستفيد منه جل جلاله الفوائد
فتفهمخمن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ويبصرك بأحوال دينك ودنياك بل ويلين قلبك عند سماع كتابه وذكره وموعظته حتي علي لسان الخلق
قال الشبلي : موعظة القرآن لمن قلبه حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين».
قال تعالى :{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد }
قال ابن عطاء : هو القلب يلاحظ الحق ويشاهده ولا يغيب عنه خطرة ولا فترة فيسمع به بل يسمع منه ويشهد به بل يشهده
فإذا لاحظ [ القلب ] الحق بعين الجلال. فزع وارتعد، وإذا طالعه بعين الجمال هدأ واستقر .
وقال جعفر الصادق :-
في هذه الآية : لمن كان له قلب يعني قلب يسمع ويعقل ويبصر، فكلما سمع خطاب الله بلا واسطة فيما بينه وبين الحق
يعقل ما من به المولي عز وجل عليه بالإيمان والإسلام من غير مسألة ولا شفيع ولا وسيلة، كانت له عند الله في الأزل .
قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( سورة الانفال آية ٢٩ )
اي بحياة قلبك ونور الله تعالى فيه تفرق بين الحلال والحرام والصواب والخطأ وليس ويعرف الإثم والبر ويتجنب ما يخالف الشرع
من غير تعليم لأن قلبك أصبح طاهرا يتلقي الإلهام الإلهي والخطاب الرباني
كما قال حضرة النبي ﷺ لوابصة الصحابي الجليل (جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) .
هذا هو القلب المنور بذكر الله تعالى
أما القلب الغافل الممتليء بالشهوات ومظلم بالذنوب فإن الآية والسابقة والحديث السابق لا ينطبقان عليه
تتمة :-
قول النبي ﷺ عن القلب دلالة واضحة أن القلب عضو مهم بل اهم عضو في جسدك فإذا كان مريضا مرض حسي فلابد من طبيب يعالجه
كذلك إذا كان القلب مريضاً مرضا معنوي من الغفلة والقسوة والحجاب والران الناتج عن الشهوات والصفات المذمومة فلابد من طبيب يعالجه
وهو الولي العارف الكامل فلابد من البحث عنه بصدق فإذا صدقت وجدته لان طريق معرفة الله تعالى وعر وشديد فلابد من مرشد رباني من الأولياء حتي يأخذوا بيدك الي ربك
لأن الأسباب من حكمة الله تعالى كالتعليم لتنال الشهادة والطبيب لتشفي والشافي والمعلم هو الله تعالى لكن الأسباب لابد منها فالشيخ سبب من الأسباب لابد منه
ولأن العبد مهما وصل حتي ولو شاهدت الملكوت السماوي فإنك لن تصل إلى معرفة الله تعالى إلا من خلال ولي كامل
قال الحلاج من لم يكن له مولي فالشيطان به أولي . فالشجرة التي تنبت بغير زارع يزرعها ويراعيها فإننا شجرة عقيمة لا تثمر وإذا أثمرت كانت الثمار جافة أو غير صالحة
وحتي تجد الولي الصالح العارف بربه فلابد من الدوام علي الشروط السنة التي تم ذكرها وتوضيحها سابقآ
قال الامام ابن عجيبة الحسني الصلاة علي النبي بكثرة تقوم مقام الشيخ المربي لكنها لا تصل بك الي معرفة ربك
فكثرة الصلاة والذكر تكون سببا فى أن يكون رسول الله هو مرشدك أو يرشدك النبي إلي من يأخذ بيدك
كما قال تعالى ( الرحمن فأسأل به خبيرا ) وعلوم وكتب الصالحين وقصصهم تؤكد ما ذكرته لك
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
* المراجع:-
* صحيح البخاري ومسلم
* تفسير عرائس البيان للبقلي سورة ق آية ٣٧
* تفسير ابن عطاء سورة ق آية ٣٧
" الأربعين النووية ومسند الامام أحمد
* كتاب مجلي الآماق وإثمد الاحداق في
شرح تائية الحراق لمحمد المهدي القاضي
بتصرف للتوضيح
* الرسالة القشيرية لأبو القاسم القشيري
* حلية الأولياء لأبو نعيم
* سير أعلام النبلاء للذهبي
* طبقات الصوفية للسلمي
* الطبقات لعبد الوهاب الشعراني
.* شرح الحكم العطائية لعبد الرؤوف المناوي
* الحلاج لقاسم عباس
.
روي عن حضرة النبي ﷺ
مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ. ( متفق عليه)
البيان:
الحديث يشير إشارة خفية إلي الطريق إلي الله سبحانه وتعالى وأن المنبع والأساس الذي تبدأ فيه الطريق وتبني عليه هو القلب فإن أصلحت قلبك صلح الجسد كله وإن غفل وفسد فلقد أفسدت الجسد كله
أقوال العارفين في ذلك:-
* أركان الطريق الي معرفة الله تعالى ستة وعليها اجمع المحققون من العارفين جملة
وهي الجوع والسهر والصمت والعزلة ومخالفة النفس والذكر
بشرط ان تتبع الوسطية باتباع الشرع بلا إفراط ولا تفريط وأشدها هو مخالفة النفس ومداومة ذكر الله تعالى
ولذلك قال تعالى والذين ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )
جهاد المشركين مؤقت وله زمن أما جهاد النفس فهو دائم وأشد اعدائك نفسك التي بين جنبيك ويكون بمخالفتها فيما لا يوافق الشرع في القول والعمل
ومن دعاء الصالحين اللهم اجعل حركاتي وسكناتي وخطراتي وانفاسي كلها مرضية عندك يا رب العالمين
فإذا شئت أيها الطالب الصادق وأردت لقاء السعادة والراحة في الدنيا والآخرة وشهود المنة في السر والعلانية والمعرفة الإلهية
وأحببت بلوغ التحقيق وغاية العرفان فعليك بتطهير قلبك وغسل فؤادك بذكر ربك. الذي هو كالماء يطهر القلوب من الأدناس ويغسلها من الخبائث
وتكون جاهداً بصدق اللجوء والاضطرار إلى الله عز وجل وكذلك تطهير قلبك من كل علة كالغل والحسد والحقد ومطلق الحظوظ والشهوات
فإن ذكر الله أساس تدور عليه جميع الخيرات به تنال كل خير وفضل وبركة ورحمة وسعادة في الدنيا والآخرة
وتغسل قلبك من كل شهوة من الرياسة وحب الدنيا ومخالطة الناس إلا لضرورة عمل أو علم ورفض مجالس اللهو والغيبة والنميمة والكبر والتعجب والرياء والسمعة وما أشبه ذلك
من الأوصاف والأخلاق الذميمة لأنه لا سبيل لطهارة القلب من هذه الأكدار والأغيار جبلة الإنسان بحكم الطبيعة إلا بذكر الله عز وجل
وأعلم أن الذكر كالماء العذب مهما وقع في قلب [ نجس بتلك الأغيار والاكدار] إلا وتطهر من حينه بفضل الله وقوته كما تتطهر الأرض من النجاسة بالماء ويغسل به الثوب من الوسخ وجميع الخبث
ومهما نزل الذكر على قلب ميت بحب الشهوة والحظوظ ومتابعة الهوى إلا وأصبح حيا بفضل الله وكرمه بحب مولاه وعاش برؤية بهائه وسناه
كما يحيي الأرض بعد موتها بنزول الماء من السماء، وتعيش بأن تنبت العشب وتخضر بعدما كانت مغبرة
ومهما نزل الذكر بقلب إلا وسالت أودية المعاني فيه بقدرها كالماء إذا نزل من السماء، فسالت أودية بقدرها
ومهما نزل الذكر بقلب إلا واهتز بأنوار الذات والصفات وأسرار الجلال والجمال كالماء إذا نزل على الأرض ( وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ )
والأرض الهامدة هي الميتة فكذلك قلبك ارض هامدة لا تنفع بل قد تضر والحية تكون بذكر الله تعالى والتعلق به
قال سبحانه وتعالى :
(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )
فكما جعل الله من الماء كل شيء حي كذلك جعل من الذكر الذي يحي أرضك وهو القلب فيصبح حي بذكر الله تعالى وينبت فيه كل فضل وبركة وخير ورحمة وحياة
فالماء تجلي عليه المولي عز وجل باسمه ( الحي) الذي يحي الجماد من ارض هامدة ويحي النفوس والأرواح والقلوب
فقول حضرة النبي ﷺ {مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر كمثل الحي والميت }
لأن الذاكر مغمور بأنوار من يذكره جل جلاله ومحفوف بأسراره ولأن الذكر وسيلة للمذكور والمذكور أزلي
قال تعالي : (فاذكروني اذكركم ) . فاذكروني بالإعراض عن الكون أذكركم واشكروا لي ببذل الأشباح ( الجسد ) ولا تكفرون بتعذيب الأرواح.
وأيضا فاذكروني في زمان الغفلة أذكركم بإنزال الرحمة وأيضا فاذكروني برؤية ذكري لكم في الأزل، قبل ذكركم لي أذكر نفسي لكم كما ينبغي لي لأنكم لا تطيقون أن تذكروني بحقيقة الذات والصفات، وكيف يذكر الحادث صفات القديم
وأعلم أن جميع المقامات والأحوال تعلل بعدم الإخلاص فيها أو [ برؤيتها ] أو حتي رؤية الإخلاص فيها إلا ذكر الله ليس له علة
إلا عدم كثرته لأنه كالماء كلما كثر يدفع عن نفسه الخبائث ألا ترى البحر كيف لا یغيره کدر لكثرة مائه ولو كان قليلا لكان يتكدر بحسب قلته
ألا ترى كيف وصف الله تعالى المؤمنين بالذكر الكثير فقال تعالى (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) فالمؤمنون بسبب كثرة الذكر أعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما
قال القشيري : والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه بل هو العمدة في هذا الطريق ولا يصل أحد إلى الله تعالى إلا بدوام الذكر .
فالعبد إذا ذكر الله عز وجل، ذكره الله بسبب ذكره إياه وإذا ذكر الله عبده اطمأن قلبه إليه بسبب ذكر الله لك إذ قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .
فذكر الله للعبد سابق بكل وجه، لأن ذكر الله للعبد قديم، وذكر العبد [ لله] حادث.
فالقلب لا يتطهر من رجس السوى ( كل شئ غير الله تعالى) ولا يغتسل من علة الهوى ولا يطمئن إلا بذكر المولى عز وجل
** تنبيه:-
قال أبي سعيد القرشي : من لزم نفسه أدب الشريعة نور الله قلبه بالمعرفة ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه صلي الله عليه وسلم.
( حلية الأولياء وسير أعلام النبلاء )
*وقال أبو حمزة البغدادي : من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول ﷺ
في أحواله وأفعاله وأقواله . إلى غير ذلك مما
ورد في فضل متابعة السنة الشريفة وموافقتها
ولو لم يكن إلا ما قال الله عز وجل :( ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة ) لكان فيه كفاية لمن أراد الله به خيرا وفتح بصيرته ونور سريرته
( طبقات الصوفية والحلية وطبقات الشعراني
* فإذا أحييت قلبك بذكر الله تعالى والصلاة على النبي فإنك تشهد ربك بقلبك وروحك فتستفيد منه جل جلاله الفوائد
فتفهمخمن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ويبصرك بأحوال دينك ودنياك بل ويلين قلبك عند سماع كتابه وذكره وموعظته حتي علي لسان الخلق
قال الشبلي : موعظة القرآن لمن قلبه حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين».
قال تعالى :{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد }
قال ابن عطاء : هو القلب يلاحظ الحق ويشاهده ولا يغيب عنه خطرة ولا فترة فيسمع به بل يسمع منه ويشهد به بل يشهده
فإذا لاحظ [ القلب ] الحق بعين الجلال. فزع وارتعد، وإذا طالعه بعين الجمال هدأ واستقر .
وقال جعفر الصادق :-
في هذه الآية : لمن كان له قلب يعني قلب يسمع ويعقل ويبصر، فكلما سمع خطاب الله بلا واسطة فيما بينه وبين الحق
يعقل ما من به المولي عز وجل عليه بالإيمان والإسلام من غير مسألة ولا شفيع ولا وسيلة، كانت له عند الله في الأزل .
قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( سورة الانفال آية ٢٩ )
اي بحياة قلبك ونور الله تعالى فيه تفرق بين الحلال والحرام والصواب والخطأ وليس ويعرف الإثم والبر ويتجنب ما يخالف الشرع
من غير تعليم لأن قلبك أصبح طاهرا يتلقي الإلهام الإلهي والخطاب الرباني
كما قال حضرة النبي ﷺ لوابصة الصحابي الجليل (جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) .
هذا هو القلب المنور بذكر الله تعالى
أما القلب الغافل الممتليء بالشهوات ومظلم بالذنوب فإن الآية والسابقة والحديث السابق لا ينطبقان عليه
تتمة :-
قول النبي ﷺ عن القلب دلالة واضحة أن القلب عضو مهم بل اهم عضو في جسدك فإذا كان مريضا مرض حسي فلابد من طبيب يعالجه
كذلك إذا كان القلب مريضاً مرضا معنوي من الغفلة والقسوة والحجاب والران الناتج عن الشهوات والصفات المذمومة فلابد من طبيب يعالجه
وهو الولي العارف الكامل فلابد من البحث عنه بصدق فإذا صدقت وجدته لان طريق معرفة الله تعالى وعر وشديد فلابد من مرشد رباني من الأولياء حتي يأخذوا بيدك الي ربك
لأن الأسباب من حكمة الله تعالى كالتعليم لتنال الشهادة والطبيب لتشفي والشافي والمعلم هو الله تعالى لكن الأسباب لابد منها فالشيخ سبب من الأسباب لابد منه
ولأن العبد مهما وصل حتي ولو شاهدت الملكوت السماوي فإنك لن تصل إلى معرفة الله تعالى إلا من خلال ولي كامل
قال الحلاج من لم يكن له مولي فالشيطان به أولي . فالشجرة التي تنبت بغير زارع يزرعها ويراعيها فإننا شجرة عقيمة لا تثمر وإذا أثمرت كانت الثمار جافة أو غير صالحة
وحتي تجد الولي الصالح العارف بربه فلابد من الدوام علي الشروط السنة التي تم ذكرها وتوضيحها سابقآ
قال الامام ابن عجيبة الحسني الصلاة علي النبي بكثرة تقوم مقام الشيخ المربي لكنها لا تصل بك الي معرفة ربك
فكثرة الصلاة والذكر تكون سببا فى أن يكون رسول الله هو مرشدك أو يرشدك النبي إلي من يأخذ بيدك
كما قال تعالى ( الرحمن فأسأل به خبيرا ) وعلوم وكتب الصالحين وقصصهم تؤكد ما ذكرته لك
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
* المراجع:-
* صحيح البخاري ومسلم
* تفسير عرائس البيان للبقلي سورة ق آية ٣٧
* تفسير ابن عطاء سورة ق آية ٣٧
" الأربعين النووية ومسند الامام أحمد
* كتاب مجلي الآماق وإثمد الاحداق في
شرح تائية الحراق لمحمد المهدي القاضي
بتصرف للتوضيح
* الرسالة القشيرية لأبو القاسم القشيري
* حلية الأولياء لأبو نعيم
* سير أعلام النبلاء للذهبي
* طبقات الصوفية للسلمي
* الطبقات لعبد الوهاب الشعراني
.* شرح الحكم العطائية لعبد الرؤوف المناوي
* الحلاج لقاسم عباس
.