حديث النبي ﷺ جف القلم وطويت الصحف
نُشر في 12 أكتوبر، 2025 07:17 • قراءة 6 دقيقة
روي عن حضرة النبي ﷺ :-
( قيل) يا رسولَ اللَّهِ العملُ فيما جفَّ بهِ القلَمُ وجرَت بهِ المقاديرُ أم في أمرٍ مُستَقبلٍ قالَ بَل فيما جفَّ بهِ القلَمُ وجرَت بهِ المقاديرُ وَكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ
( أخرجه ابن ماجه ورواه الترمذي ومسلم بنحوه )
* البيان :-
يشير الحديث على أن الله قدر مقادير العباد قبل أن يخلقهم فلقد روي عن حضرة النبي
ﷺ إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة
( رواه الإمام مسلم)
فكل ما يجري في هذه الحياة الدنيا فهو مكتوب عنده في اللوح المحفوظ
وهو نافذ في الخلق بقدرة الله وإرادته التي لا تغلبها إرادة المخلوقين {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}
فالمولي عز وجل أخبرنا بأن أفعال العباد صغيرة أو كبيرة هي بإرادتهم واختياراهم ظاهرا
لكنها لا تخرج عن تقدير الله عز وجل وما يفعلونه لا يخرج عما كتبه الله عز وجل وسطره في اللوح والقلم لأنه اللطيف الخبير
* وقال العارف بالله جلال الدين الرومي :-
هذا الحديث يحتج به الجبريون ( اي الذين يقولون أن الإنسان مجبور غير مختار )
بأن كل ما جرى على البشر قدر منذ الأزل وبالتالي فلا فائدة من العبادة أو الدعاء
لأن الله سبحانه وتعالى لن يغير شيئًا ما دامت الأقلام قد جفت والصحف قدم طويت
بل إن الحديث تحريض على العمل لا على الكسل لأن القلم جف وفرغ من أمر جعل الجزاء من جنس العمل
ولا تبديل لسنة الله تعالى ولا تغيير لها لإنك مرتبط بأفعالك
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرم}
فإذا رحمت الناس رحمك رب الناس وإن سرقت تقطع بهذا جف القلم
وجف القلم بألا تستوي الطاعة والمعصية ولا تستوي الأمانة والسرقة
وجف القلم بألا يستوي الشكر وكفر النعم جف القلم بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
إذن فقد كتب القلم أن لكل فعل ما يليق به من تأثير وجزاء تسير معوجا يأتيك الاعوجاج بهذا جف القلم
وإن أتيت بالصدق والاستقامة تأتيك السعادة وإن ارتكبت الظلم فأنت مدبر سيئ جف القلم بهذا
وإن عدلت فأنت ذو نصيب من هذا العدل وعندما يسرق أحد فقد ضاعت يده بالقطع ومن يشرب الخمر يعاقب بهذا جف القلم
** بيان معني ( كل ميسر لما خلق له:-
* قال محي الدين إبن عربي:-
كل مرضي محبوب، وكل ما يفعل المحبوب محبوب، فكله رضي، لأنه لا فعل للعين بل الفعل لربها فيها
فاطمأنت العين أن يضاف إليها فعل كانت راضية بما يظهر فيها وعنها من أفعال ربها «مرضية» تلك الأفعال
لأن كل فاعل وصانع راض عن فعله وصنعته فإنه وفى فعله وصنعته حق ما هي عليه :
قال سبحانه وتعالى: [ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ] ( سورة طه: الآية ٥٠] .
( فصوص الحكم لابن عربي)
قال عبد القادر الجزائري شارحا لهذا المعني السابق :-
أي بين أنه أعطى كل شيء خلقه، فلا يقبل النقص ولا الزيادة يعني: حيث أن السعيد السعادة الخاصة من كان عند ربه مرضيا
وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه الآخذ بناصية الماشي به على ما علمه الله منه وأراده به
وبالضرورة إن كل مرضي عنه محبوب،د فكان كل ما يفعل المحبوب المربوب من حيث نسبة الفعل إلى المربوب شرعا محبوبًا
فكانت العين المربوبة كلها في جميع تصرفاتها وتوجهاتها وتغلباتها جميع ما ينسب إليها مرضية عند ربها المتعرف فيها الماشي بها على السبيل الذي يريده الله منها،
فإنه في نفس الأمر لا فعل للعين المربوبة بل الفعل لربها فيها. فإنما هي كاليهولى لما تقبله من إيجاد الصور فيها، أو كالظرف لما يوجده ربها فيها
فاطمأنت العين وسكنت بعد الاضطراب عندما كشف لها أنه لا فعل لها، وأن الأفعال الظاهرة منها في بادىء الرأي أفعال ربها المدبر لها، وهو الاسم الخاص بها، الآخذ بناصيتها
فلا يضاف إليها فعل من الأفعال المحمودة أو المذمومة شرعًا. فكانت العين لذلك راضية بما يظهر فيها، فإن الفعل لا بد له من محل يظهر فيه
وراضية بما يظهر عنها من حيث صورتها من أفعال ربها مرضية تلك الأفعال عند ربها، محمودة أو مذمومة، شرعًا
لأنها أفعاله لا أفعال العين، وذلك حين كشف لها بأن الفاعل هو وأفعال الله تعالى كلها كاملة الحسن وقبحها ما هو عينها، وإنما هو حكم الله فيها.
ويختلف زمان الكشف لهذا السرّ، فمنهم من يكشف له في دار الدنيا، ومنهم من يكشف له عند الموت، ومنهم من يكشف له يوم القيامة قبل نفوذ الوعيد، ومنهم من يكشف له بعد نفوذ الوعيد
حيث الإنسان في ترقّي دائم الشقي والسعيد فأما السعيد فمعلوم، وأما الشقي فلا يعلم أنه في ترقي في أسباب شقائه حتى تناله الرحمة ويقع له الفتح
فيعرف عند ذلك ما ترقى فيه في العلم بالله في تلك المخالفات التي شقي بها. ومن البديهيات أن كل فاعل وصانع راض عن فعله وصنعته
إذا الأفعال من حيث نسبته إلى ربها لا قبح فيها، فإن الرب قد وفّى فعله وصنعته حق ما هي عليه من الاستعداد الذاتي حال عدمها وثبوتها
فإن الله تعالى أخبر وهو الصادق:﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾ سورة النساء
أنه أعطى كل شيء خلقه واستعداده حالة إيجاده العيني، فلا يقبل شيء كان ما كان النقص في خلقه واستعداده، ولا الزيادة عليه.
فالرب عز وجل يفعل في كل عين حالة إيجادها ماعلمه عليه حالة ثبوتها وعدمها، بل هي لا تقبل الزيادة ولا النقصان
وبهذا كانت الحجة البالغة لله على عبيده من كون العلم تابعاً للمعلوم ما هو حاكم على المعلوم
فإن قال المعلوم ( الإنسان) شيئاً يقول له الحق تعالى ما علمت هذا منك إلا من كونك عليه في حالة عدمك
وما أبرزتك في الوجود إلاّ على قدر ما أعطيتني من ذاتك. فيعرف العبد أنه الحق.
وأشار سيدنا ابن عربي رضي الله عنه بقوله أن كل عبد مرضي عند ربه، وكل مرضي عند ربه سعيد
إلى شمول السعادة وعموم الرحمة في آخر الأمر والمآل إلى النعيم بعد نفوذ الوعيد
وعمارة الدارين مع دوام بقائهم ودوام بقاء أهلهما فيهما. ولا تفهم من كلام سيدنا الرضي بكل مقضي
وإنما الرضي بقضاء الله لا بكل مقضي. وإن رأيت وجه الحق فيه فإنك إذا كنت صحيح الرؤية ترى الحق غير راض عنك فيه ولا يرضى لعباده، الكفر فإنه زهوق ومزلة أقدام.
( المواقف الروحية للجزائري رقم ٣٥٥ )
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المراجع:-
* صحيح ابن ماجه والترمذي ومسلم
* انظر فتح المنعم شرح صحيح مسلم
لموسي لاشين وللنووي
* المثنوي لجلال الدين الرومي
*المواقف الروحية للجزائري رقم ٣٥٥
* فصوص الحكم لمحي الدين إبن عربي
.
( قيل) يا رسولَ اللَّهِ العملُ فيما جفَّ بهِ القلَمُ وجرَت بهِ المقاديرُ أم في أمرٍ مُستَقبلٍ قالَ بَل فيما جفَّ بهِ القلَمُ وجرَت بهِ المقاديرُ وَكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ لَهُ
( أخرجه ابن ماجه ورواه الترمذي ومسلم بنحوه )
* البيان :-
يشير الحديث على أن الله قدر مقادير العباد قبل أن يخلقهم فلقد روي عن حضرة النبي
ﷺ إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة
( رواه الإمام مسلم)
فكل ما يجري في هذه الحياة الدنيا فهو مكتوب عنده في اللوح المحفوظ
وهو نافذ في الخلق بقدرة الله وإرادته التي لا تغلبها إرادة المخلوقين {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}
فالمولي عز وجل أخبرنا بأن أفعال العباد صغيرة أو كبيرة هي بإرادتهم واختياراهم ظاهرا
لكنها لا تخرج عن تقدير الله عز وجل وما يفعلونه لا يخرج عما كتبه الله عز وجل وسطره في اللوح والقلم لأنه اللطيف الخبير
* وقال العارف بالله جلال الدين الرومي :-
هذا الحديث يحتج به الجبريون ( اي الذين يقولون أن الإنسان مجبور غير مختار )
بأن كل ما جرى على البشر قدر منذ الأزل وبالتالي فلا فائدة من العبادة أو الدعاء
لأن الله سبحانه وتعالى لن يغير شيئًا ما دامت الأقلام قد جفت والصحف قدم طويت
بل إن الحديث تحريض على العمل لا على الكسل لأن القلم جف وفرغ من أمر جعل الجزاء من جنس العمل
ولا تبديل لسنة الله تعالى ولا تغيير لها لإنك مرتبط بأفعالك
{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرم}
فإذا رحمت الناس رحمك رب الناس وإن سرقت تقطع بهذا جف القلم
وجف القلم بألا تستوي الطاعة والمعصية ولا تستوي الأمانة والسرقة
وجف القلم بألا يستوي الشكر وكفر النعم جف القلم بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
إذن فقد كتب القلم أن لكل فعل ما يليق به من تأثير وجزاء تسير معوجا يأتيك الاعوجاج بهذا جف القلم
وإن أتيت بالصدق والاستقامة تأتيك السعادة وإن ارتكبت الظلم فأنت مدبر سيئ جف القلم بهذا
وإن عدلت فأنت ذو نصيب من هذا العدل وعندما يسرق أحد فقد ضاعت يده بالقطع ومن يشرب الخمر يعاقب بهذا جف القلم
** بيان معني ( كل ميسر لما خلق له:-
* قال محي الدين إبن عربي:-
كل مرضي محبوب، وكل ما يفعل المحبوب محبوب، فكله رضي، لأنه لا فعل للعين بل الفعل لربها فيها
فاطمأنت العين أن يضاف إليها فعل كانت راضية بما يظهر فيها وعنها من أفعال ربها «مرضية» تلك الأفعال
لأن كل فاعل وصانع راض عن فعله وصنعته فإنه وفى فعله وصنعته حق ما هي عليه :
قال سبحانه وتعالى: [ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ] ( سورة طه: الآية ٥٠] .
( فصوص الحكم لابن عربي)
قال عبد القادر الجزائري شارحا لهذا المعني السابق :-
أي بين أنه أعطى كل شيء خلقه، فلا يقبل النقص ولا الزيادة يعني: حيث أن السعيد السعادة الخاصة من كان عند ربه مرضيا
وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه الآخذ بناصية الماشي به على ما علمه الله منه وأراده به
وبالضرورة إن كل مرضي عنه محبوب،د فكان كل ما يفعل المحبوب المربوب من حيث نسبة الفعل إلى المربوب شرعا محبوبًا
فكانت العين المربوبة كلها في جميع تصرفاتها وتوجهاتها وتغلباتها جميع ما ينسب إليها مرضية عند ربها المتعرف فيها الماشي بها على السبيل الذي يريده الله منها،
فإنه في نفس الأمر لا فعل للعين المربوبة بل الفعل لربها فيها. فإنما هي كاليهولى لما تقبله من إيجاد الصور فيها، أو كالظرف لما يوجده ربها فيها
فاطمأنت العين وسكنت بعد الاضطراب عندما كشف لها أنه لا فعل لها، وأن الأفعال الظاهرة منها في بادىء الرأي أفعال ربها المدبر لها، وهو الاسم الخاص بها، الآخذ بناصيتها
فلا يضاف إليها فعل من الأفعال المحمودة أو المذمومة شرعًا. فكانت العين لذلك راضية بما يظهر فيها، فإن الفعل لا بد له من محل يظهر فيه
وراضية بما يظهر عنها من حيث صورتها من أفعال ربها مرضية تلك الأفعال عند ربها، محمودة أو مذمومة، شرعًا
لأنها أفعاله لا أفعال العين، وذلك حين كشف لها بأن الفاعل هو وأفعال الله تعالى كلها كاملة الحسن وقبحها ما هو عينها، وإنما هو حكم الله فيها.
ويختلف زمان الكشف لهذا السرّ، فمنهم من يكشف له في دار الدنيا، ومنهم من يكشف له عند الموت، ومنهم من يكشف له يوم القيامة قبل نفوذ الوعيد، ومنهم من يكشف له بعد نفوذ الوعيد
حيث الإنسان في ترقّي دائم الشقي والسعيد فأما السعيد فمعلوم، وأما الشقي فلا يعلم أنه في ترقي في أسباب شقائه حتى تناله الرحمة ويقع له الفتح
فيعرف عند ذلك ما ترقى فيه في العلم بالله في تلك المخالفات التي شقي بها. ومن البديهيات أن كل فاعل وصانع راض عن فعله وصنعته
إذا الأفعال من حيث نسبته إلى ربها لا قبح فيها، فإن الرب قد وفّى فعله وصنعته حق ما هي عليه من الاستعداد الذاتي حال عدمها وثبوتها
فإن الله تعالى أخبر وهو الصادق:﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾ سورة النساء
أنه أعطى كل شيء خلقه واستعداده حالة إيجاده العيني، فلا يقبل شيء كان ما كان النقص في خلقه واستعداده، ولا الزيادة عليه.
فالرب عز وجل يفعل في كل عين حالة إيجادها ماعلمه عليه حالة ثبوتها وعدمها، بل هي لا تقبل الزيادة ولا النقصان
وبهذا كانت الحجة البالغة لله على عبيده من كون العلم تابعاً للمعلوم ما هو حاكم على المعلوم
فإن قال المعلوم ( الإنسان) شيئاً يقول له الحق تعالى ما علمت هذا منك إلا من كونك عليه في حالة عدمك
وما أبرزتك في الوجود إلاّ على قدر ما أعطيتني من ذاتك. فيعرف العبد أنه الحق.
وأشار سيدنا ابن عربي رضي الله عنه بقوله أن كل عبد مرضي عند ربه، وكل مرضي عند ربه سعيد
إلى شمول السعادة وعموم الرحمة في آخر الأمر والمآل إلى النعيم بعد نفوذ الوعيد
وعمارة الدارين مع دوام بقائهم ودوام بقاء أهلهما فيهما. ولا تفهم من كلام سيدنا الرضي بكل مقضي
وإنما الرضي بقضاء الله لا بكل مقضي. وإن رأيت وجه الحق فيه فإنك إذا كنت صحيح الرؤية ترى الحق غير راض عنك فيه ولا يرضى لعباده، الكفر فإنه زهوق ومزلة أقدام.
( المواقف الروحية للجزائري رقم ٣٥٥ )
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المراجع:-
* صحيح ابن ماجه والترمذي ومسلم
* انظر فتح المنعم شرح صحيح مسلم
لموسي لاشين وللنووي
* المثنوي لجلال الدين الرومي
*المواقف الروحية للجزائري رقم ٣٥٥
* فصوص الحكم لمحي الدين إبن عربي
.