قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ
نُشر في 03 مارس، 2026 20:55 • قراءة 6 دقيقة
قوله تعالى ﷽
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ سورة الملك
* أقوال العارفين في ذلك:-
* قال العارف بالله إبن عربي :-
الخائفون على مراتب فمنهم من خوفه من نتائج عمله أو الخوف من العاقبة بماذا يكون الختام أو الخوف من السابقة لأن العاقبة مبنية عليها وهذا أعلى من الأول.
ومنهم من خوفه من الله لكونه أن يكون
أهلاً أن يخاف العبد منه وهذا أعلى من الجميع . ولو كان الكل يخافون من الله تعالى لكن التفاوت من حيث أسباب الخوف.
والخوف: مخصوص بالعوام ليس عند الخواص لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ( يونس )
وأما قوله عليه السلام: (أنا أعرَفُكم باللهِ وأشَدُّكم له خشيةً )
فإن ذلك الخوف هو الهيئة الصادرة عن مطالعته إلى عظمة الجلال وذلك لأن الهيبة من لوازم آثار الصفات الجلالية الإلهية
( المصطلحات الصوفية لابن عربي)
* وقال العارف بالله عبد القادر الجزائري:-
أخبر تعالى مؤكداً لخبره ومبشراً لعباده الذين يخشون ويخافون ربّهم أي حضرة الربوبية الجامعة للأسماء التي يربي بها عباده
وإنما كانت خشيتهم لأسماء الربوبية أي الحضرة الجامعة شعروا أو لم يشعروا.
وقال"بالغيب" أي يخافون ربهم مع اعتقادهم غيبته عنهم، ومباينته لهم وهذه مرتبة عامة المؤمنين. أعني علماء الظاهر قاطبة والمتكلمين في التوحيد العقلي
فهم يؤمنون ويخشون ربّاً غائباً عنهم، بعيداً منهم، وليس حضوره مع عباده وقربه منهم ومعيته إلاَّ بعلمه وقدرته دون ذاته عندهم، تعالى عما يصفون، ولهذا كانت مرتبة هذه الفرقة من المؤمنين أقل من غيرها،
فبشّرهم تعالى بأن يغفر لهم ذنوبهم يوم القيامة، أي يسترها عن غيرهم من أهل المحشر، ولكن لا يسترها عنهم، بل لابدَّ لهم من العرض والتقرير بذنوبهم
، كما ورد في الصحيح، أنه لما قال (صلى الله عليه وسلم) : ((من وحسب عذب)) قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
فقال يا عائشة؛ ذلك العرض، وإلاَّ فمن نوقش الحساب يهلك، وصفة العرض كم ورد:
هو أنه تعالى يلقي كنفه، أي ستره، على عبده المؤمن حتى لا يراه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فيقرره بذنوبه فلا يسعه إلاَ الإقرار، فيقول له الحق تعالى : ((قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم))
وبشّرهم بأنه يعطيهم أجراً كبيراً، أي جزاءً عظيماً بالنسبة إليهم، من حور وغلمان وقصور ولذّات ونعم متنوعّة محسوسة
وسمى ما أعطاهم أجراً أي جزاء لأعمالهم لأنهم كانوا يعملون لذلك، والجزاء من جنس العمل
وهذه الطائفة هي المعنيّة بقوله سبحانه وتعالى : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾[ سورة هود ].
وإلى هذه الطائفة الإشارة بقوله تعالى
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [ سورة النساء]
* الطائفة ( الصنف ) الثاني: -
الذين يخشون ربّهم لا بالغيب (فقط) ولكن بحضوره معهم وهم أهل مقام الإحسان، الذي عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (أن تعبد الله كأنَّك تراه) متفق عليه
فهم يخشون ربّهم على حضوره معهم ويعبدونه على أنه مناج لهم وهم يناجونه وأنه في قبلتهم وبينهم وبين القبلة ونحو هذا ممّا ورد في التعليم النبويّ
ولكنهم مع ذلك يرون ربهم عز وجل غيراً لهم ومنفصلاً عنهم وهذه الطائفة أعلا من الأولى درجة وأقرب إلى الله تعالى منزلةً
وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[ سورةالأنفال]
فمغفرة هذه الطائفة الثانية أن يستر ذنوبهم عن أهل المحشر وعنهم بحيث لا تبقى لذنوبهم صورة أصلاً
بل تبدّل سيئاتهم حسنات كما قال تعالى: :﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
وبين مغفرة هذه الطائفة والطائفة الأولى فرق كبير وإن اشتركا في اللفظ
فلقد أمتنّ المولي عز وجل به على الطائفة الأولى بغير ما امتنَّ به على الطائفة الثانية:
فسمى ما تفضل به على الأولى أجراً أي جزاء لأعمالهم لأنهم كانو مستغرقين في نسبة أفعالهم لنفوسهم وإن كانوا يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى خالقها
وسمّى ما تفضّل به على الطائفة الثانية رزقاً كريماً والرزق ما ينتفع به أعم من الرزق الحسي والمعنوي بالمشاهدة والعلوم والمعارف
وهذه الطائفة وإن كانت مثل الأولى في نسبة أفعالهم إليهم ورؤية نفوسهم موجودة فاعلة
لكنها من جهة حضورها مع الحق سبحانه وتعالى وتخيّله رقيباً مناجياً كأنها تراه تصير أعلي من الذين يخشون ربا غائباً عنهم.
وإلى هذه الطائفة الثانية الإشارة بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾[ سورة النساء ]. بدخولها لحضرة الإحسان وهي أن تعبد الله كأنَّك تراه.
* أما الطائفة ( الصنف ) الثالثة :-
فلقد أشار إليها المولي عز وجل بقوله تعالى : ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ وهي أعلا من الأولي والثانية
أي بعد أن دخلوا حضرة الإحسان ارتقوا إلى حضرة الشهود والعيان وهي ملة سيدنا إبراهيم ( علي نبينا وعليه الصلاة والسلام)
أي طريقته المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[ سورة الأنعام ]
أي ظهر بهما وبكلّ ما فيهما ﴿ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا أرى غير وجهه تعالى في كل واجهة إذ رؤية غير الله تعالى شرك.
فلا جزاء لهم غير مولاهم ومحبوبهم الذي تولاهم فغابوا به عن أنفسهم ولا مغفرة لهم إلاَّ ستر نفوسهم عنهم بحيث لم يشهدوا لها أثراً ( من فعل وقول )
فهذه الطائفة الثالثة أصبحوا لا موجودين ولا معدومين ولا ثابتون ولا منفيون ولا فاعلون ولا غير فاعلين فليسوا بمطيعين ولا عاصين
( فلا ينسبون لأنفسهم قوات أو فعلا أو مقاما أو حالا وهو الفناء في الله سبحانه وتعالى)
فلا مغفرة ولا أجر بل هم كما قال تعالى: ﴿هم درجات عند الله﴾[ سورة آل عمران ].
فبهم ترفع الدرجات وتغفر الذنوب وتعطى الأجور وتُدَرُّ الأرزاق دنيا وأخرى.
فنعلم مما سبق أنَّ الطوائف الناجية ثلاث وإن تفاوتت في النجاة :
طائفة خشيت رباً غائباً
وطائفة خشيت ربّاً حاضراً
وطائفة لم تتقيّد بغيبة ولا حضور ولا بطون ولا ظهور بل كان برزخاً جامعاً.
* وقال النفري في المخاطبات:
الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي والذي يفهم عن حقي يعبدني خوفا مني ، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي.
إن أردت أن تثبت بين يدى فى عملك فقف بين يدي لا طالباً مني ولا هارباً إِلَيَّ
إنك إن طلبت منى فمنعتك رجعت إلى الطلب لا إِلَيَّ أو رجعت إلى اليأس لا إِلَيَّ الطلب
وإنك إن طلبت مني فأعطيتك رجعت عنى إلى مطلبك وإن هربت إِلَيَّ فأجَرْتُكَ رجعت عنى إلى الأمن من مهربك من خوفك
وأنا أريد أن أرفع الحجاب بيني وبينك فقف بين يدي لأني ربك ولا تقف بين يدي لأنك عبدي .
إن وقفت بين يدي لأنك عبدي مِلتَ ميل العبيد وإن وقفت بين يدي لأني ربُّكَ جَاءَكَ حكمي القَيُّومُ فحال بينك وبين نفسك
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
( المواقف الروحية بتصرف للتوضيح )
* المراجع:-
* صحيح البخاري ومسلم
* السماع والمصطلحات والرموز الصوفية
عند عبد الكريم الجيلي وابن العربي تحقيق عبد الباقي مفتاح ص ١٦٧
* المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري
موقف رقم ١٤٢ ج١ ص ٢٦٥ طبعة العلمية
* المواقف و المخاطبات للنفري
.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ سورة الملك
* أقوال العارفين في ذلك:-
* قال العارف بالله إبن عربي :-
الخائفون على مراتب فمنهم من خوفه من نتائج عمله أو الخوف من العاقبة بماذا يكون الختام أو الخوف من السابقة لأن العاقبة مبنية عليها وهذا أعلى من الأول.
ومنهم من خوفه من الله لكونه أن يكون
أهلاً أن يخاف العبد منه وهذا أعلى من الجميع . ولو كان الكل يخافون من الله تعالى لكن التفاوت من حيث أسباب الخوف.
والخوف: مخصوص بالعوام ليس عند الخواص لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ( يونس )
وأما قوله عليه السلام: (أنا أعرَفُكم باللهِ وأشَدُّكم له خشيةً )
فإن ذلك الخوف هو الهيئة الصادرة عن مطالعته إلى عظمة الجلال وذلك لأن الهيبة من لوازم آثار الصفات الجلالية الإلهية
( المصطلحات الصوفية لابن عربي)
* وقال العارف بالله عبد القادر الجزائري:-
أخبر تعالى مؤكداً لخبره ومبشراً لعباده الذين يخشون ويخافون ربّهم أي حضرة الربوبية الجامعة للأسماء التي يربي بها عباده
وإنما كانت خشيتهم لأسماء الربوبية أي الحضرة الجامعة شعروا أو لم يشعروا.
وقال"بالغيب" أي يخافون ربهم مع اعتقادهم غيبته عنهم، ومباينته لهم وهذه مرتبة عامة المؤمنين. أعني علماء الظاهر قاطبة والمتكلمين في التوحيد العقلي
فهم يؤمنون ويخشون ربّاً غائباً عنهم، بعيداً منهم، وليس حضوره مع عباده وقربه منهم ومعيته إلاَّ بعلمه وقدرته دون ذاته عندهم، تعالى عما يصفون، ولهذا كانت مرتبة هذه الفرقة من المؤمنين أقل من غيرها،
فبشّرهم تعالى بأن يغفر لهم ذنوبهم يوم القيامة، أي يسترها عن غيرهم من أهل المحشر، ولكن لا يسترها عنهم، بل لابدَّ لهم من العرض والتقرير بذنوبهم
، كما ورد في الصحيح، أنه لما قال (صلى الله عليه وسلم) : ((من وحسب عذب)) قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
فقال يا عائشة؛ ذلك العرض، وإلاَّ فمن نوقش الحساب يهلك، وصفة العرض كم ورد:
هو أنه تعالى يلقي كنفه، أي ستره، على عبده المؤمن حتى لا يراه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فيقرره بذنوبه فلا يسعه إلاَ الإقرار، فيقول له الحق تعالى : ((قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم))
وبشّرهم بأنه يعطيهم أجراً كبيراً، أي جزاءً عظيماً بالنسبة إليهم، من حور وغلمان وقصور ولذّات ونعم متنوعّة محسوسة
وسمى ما أعطاهم أجراً أي جزاء لأعمالهم لأنهم كانوا يعملون لذلك، والجزاء من جنس العمل
وهذه الطائفة هي المعنيّة بقوله سبحانه وتعالى : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾[ سورة هود ].
وإلى هذه الطائفة الإشارة بقوله تعالى
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [ سورة النساء]
* الطائفة ( الصنف ) الثاني: -
الذين يخشون ربّهم لا بالغيب (فقط) ولكن بحضوره معهم وهم أهل مقام الإحسان، الذي عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (أن تعبد الله كأنَّك تراه) متفق عليه
فهم يخشون ربّهم على حضوره معهم ويعبدونه على أنه مناج لهم وهم يناجونه وأنه في قبلتهم وبينهم وبين القبلة ونحو هذا ممّا ورد في التعليم النبويّ
ولكنهم مع ذلك يرون ربهم عز وجل غيراً لهم ومنفصلاً عنهم وهذه الطائفة أعلا من الأولى درجة وأقرب إلى الله تعالى منزلةً
وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[ سورةالأنفال]
فمغفرة هذه الطائفة الثانية أن يستر ذنوبهم عن أهل المحشر وعنهم بحيث لا تبقى لذنوبهم صورة أصلاً
بل تبدّل سيئاتهم حسنات كما قال تعالى: :﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
وبين مغفرة هذه الطائفة والطائفة الأولى فرق كبير وإن اشتركا في اللفظ
فلقد أمتنّ المولي عز وجل به على الطائفة الأولى بغير ما امتنَّ به على الطائفة الثانية:
فسمى ما تفضل به على الأولى أجراً أي جزاء لأعمالهم لأنهم كانو مستغرقين في نسبة أفعالهم لنفوسهم وإن كانوا يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى خالقها
وسمّى ما تفضّل به على الطائفة الثانية رزقاً كريماً والرزق ما ينتفع به أعم من الرزق الحسي والمعنوي بالمشاهدة والعلوم والمعارف
وهذه الطائفة وإن كانت مثل الأولى في نسبة أفعالهم إليهم ورؤية نفوسهم موجودة فاعلة
لكنها من جهة حضورها مع الحق سبحانه وتعالى وتخيّله رقيباً مناجياً كأنها تراه تصير أعلي من الذين يخشون ربا غائباً عنهم.
وإلى هذه الطائفة الثانية الإشارة بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾[ سورة النساء ]. بدخولها لحضرة الإحسان وهي أن تعبد الله كأنَّك تراه.
* أما الطائفة ( الصنف ) الثالثة :-
فلقد أشار إليها المولي عز وجل بقوله تعالى : ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ وهي أعلا من الأولي والثانية
أي بعد أن دخلوا حضرة الإحسان ارتقوا إلى حضرة الشهود والعيان وهي ملة سيدنا إبراهيم ( علي نبينا وعليه الصلاة والسلام)
أي طريقته المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[ سورة الأنعام ]
أي ظهر بهما وبكلّ ما فيهما ﴿ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا أرى غير وجهه تعالى في كل واجهة إذ رؤية غير الله تعالى شرك.
فلا جزاء لهم غير مولاهم ومحبوبهم الذي تولاهم فغابوا به عن أنفسهم ولا مغفرة لهم إلاَّ ستر نفوسهم عنهم بحيث لم يشهدوا لها أثراً ( من فعل وقول )
فهذه الطائفة الثالثة أصبحوا لا موجودين ولا معدومين ولا ثابتون ولا منفيون ولا فاعلون ولا غير فاعلين فليسوا بمطيعين ولا عاصين
( فلا ينسبون لأنفسهم قوات أو فعلا أو مقاما أو حالا وهو الفناء في الله سبحانه وتعالى)
فلا مغفرة ولا أجر بل هم كما قال تعالى: ﴿هم درجات عند الله﴾[ سورة آل عمران ].
فبهم ترفع الدرجات وتغفر الذنوب وتعطى الأجور وتُدَرُّ الأرزاق دنيا وأخرى.
فنعلم مما سبق أنَّ الطوائف الناجية ثلاث وإن تفاوتت في النجاة :
طائفة خشيت رباً غائباً
وطائفة خشيت ربّاً حاضراً
وطائفة لم تتقيّد بغيبة ولا حضور ولا بطون ولا ظهور بل كان برزخاً جامعاً.
* وقال النفري في المخاطبات:
الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي والذي يفهم عن حقي يعبدني خوفا مني ، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي.
إن أردت أن تثبت بين يدى فى عملك فقف بين يدي لا طالباً مني ولا هارباً إِلَيَّ
إنك إن طلبت منى فمنعتك رجعت إلى الطلب لا إِلَيَّ أو رجعت إلى اليأس لا إِلَيَّ الطلب
وإنك إن طلبت مني فأعطيتك رجعت عنى إلى مطلبك وإن هربت إِلَيَّ فأجَرْتُكَ رجعت عنى إلى الأمن من مهربك من خوفك
وأنا أريد أن أرفع الحجاب بيني وبينك فقف بين يدي لأني ربك ولا تقف بين يدي لأنك عبدي .
إن وقفت بين يدي لأنك عبدي مِلتَ ميل العبيد وإن وقفت بين يدي لأني ربُّكَ جَاءَكَ حكمي القَيُّومُ فحال بينك وبين نفسك
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
( المواقف الروحية بتصرف للتوضيح )
* المراجع:-
* صحيح البخاري ومسلم
* السماع والمصطلحات والرموز الصوفية
عند عبد الكريم الجيلي وابن العربي تحقيق عبد الباقي مفتاح ص ١٦٧
* المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري
موقف رقم ١٤٢ ج١ ص ٢٦٥ طبعة العلمية
* المواقف و المخاطبات للنفري
.