قوله تعالى وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
نُشر في 29 أبريل، 2025 06:50 • قراءة 5 دقيقة
قوله تعالى:
﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[ سورة المائدة]
* أقوال العارفين في ذلك:
* الوجه الأول:-
ظاهر التوكل لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادَّ له
وحقائق التوكل التي لخواص المؤمنين شهود كل ما يحدث بالله ومِنْ الله ولله فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان
( لطائف الإشارات للقشيري)
* الوجه الثاني:-
أكثر الناس الكلام في التوكّل وحقيقة التوكل بأنه ثقة القلب وحصول الطمأنينة بوصول القسمة الأزلية للعبد
بحركة أو سكون من خير وشر ونفع وضرّ دين ودنيا وآخرة، قليلاً أو كثيراً، مؤقتاً محدوداً بزمانه ومكانه
وليس هذا إلاَّ من مقام الإيمان بأنه تعالى لا يخلف وعده في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾[ سورة هود ].
وأما العقل مجرداً عن الإيمان فإنه لا يعطي التوكّل بل يجوز أن الله يرزق عبده وأن لا يرزقه لأنه عز وجل لا يجب عليه شيء لأحد.
فليس التوكّل إلاَّ الثقة والطمأنينة لا ترك الأسباب مع الشك والاضطراب فليس هذا من التوكل المطلوب في شيء
ولو كان ترك السبب والحركة توكّلاً للزم إذا وضع الخبز بين يدي هذا المتوكل أن بألا يتناوله ويرفعه إلى فمه فإن هذا سبب وحركة لوصول الخير إلى بطنه
وإذا وضع الخبز في فمه يلزمه أن لا يمضغه ولا يحرك لساناً ولا غيره فإنه كلّها أسباب لوصول الرزق إلى البطن.
فلا يقول بترك الأسباب إلاَّ جاهل بالطريق وبالسنّة الشريفة فتارك السبب مع التمكن منه مأزور ( وعليه إثم ) بترك الحكمة وتعطيل صفة من صفاته سبحانه وتعالى
فمن نظر إلى باطن العارفين بالله تعالى تجدهم مثل جبلاً لا يتحرك ثابتّاً لا يتدكدك ليس لهم نظر إلى الأسباب ولا عبرة لهم بها.
ومن نظر إلى ظاهرهم رآهم كالطائر من غصن إلى غصن، ومن شجرة إلى شجرة
فهذ سيد العارفين وإمام المتوكلين سيدنا محمد ﷺ جنّد الأجناد وحفر الخندق، وادّخر قوت سنة لعياله ، وتداوى واحتجم وما ترك سبباً إلاَّ فعله
قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
وقال تعالى. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾
إلاَّ من أقامه الحق سبحانه وتعالى في مقام التجريد وعسرت عليه الأسباب بحيث أنه لا يجد إليها سبيلاً ولو سعى
فهذا عبد كامل ولو ترك الأسباب ( وهذا قليل في الخلق بل نادر والنادر لا يعمم ولاحكم له )
وكذلك الزهد يتصوّره عوام أهل الطريق على غير وجهه وإنما هو صرف القلب عن الرغبة فيما سوي المولي عز وجل وفيما يقرّب إليه لا غير ذلك
فإنّ ما يزهد فيه إمَّا أن يكون من نصيب الزاهد وقسمته أو ليس من قسمته
فإذا كان من قسمته تناوله أحبّ أم كره ولا يندفع عنه ولو استعان بأهل الأرض والسماء
وإمَّا أن لا يكون مقسوماً له، فزهد في ماذا؟! أيزهد في قسمة غيره؟ فما قُدِّر لفكيك أن يمضغاه لابدَّ أن يمضغاه.
( المواقف الروحية للجزائري)
قال أبو يزيد البسطامي:-
* حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصرًا غير الله ولا لرزقك خازنًا غيره ولا لعملك شاهدًا غيره
( الكواكب الدرية وتذكرة الأولياء )
* وقال محي الدين إبن عربي:
الخالق سبحانه وتعالى يطلب المخلوق والمخلوق يطلب الخالق من كونه مخلوقا لذلك تعشق الإنسان بالأسباب ومال إليها فإن وجوده كان عن سبب وهو الله تعالى.
وكل اسم إلهي يطلب الكون ومن هنا وضع الله تعالى الأسباب وظهر العالم مربوطا بعضه ببعض
ولم يكلف الحق عباده الخروج عن السبب وقال للعبد أنا سببك فاعتمد علي وتوكل.
فالرجل من أثبت الأسباب ولو نفاها ما عرف الله تعالى ولا عرف نفسه. ومن عرف نفسه عرف ربه
كما ورد في الحديث ولم يقل الرسول عرف ذات ربه فإن ذات الرب عز وجل لها الغنى على الإطلاق.
ورفع الأسباب سوء أدب مع الله تعالى ومن عزل من ولاه الله تعالى فقد أساء الأدب وما أجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها
ومن ترك ما قرره الحق تعالى فهو منازع لا عبد، وجاهل لا عالم ومن قال بذلك فقد كذب
نفسه
فإنه إذا عطش سارع إلى شرب الماء، وإذا جاع أقبل على الطعام، وإذا نظر إلى شيء فتح عينيه، وإن لم يتنفس مات وكان قاتلا لنفسه وكل هذه أسباب .
وكلام أهل الله تعالى في ترك الأسباب له معنى آخر غير الذي توهمه عامة الناس، فهم يقصدون عدم الاعتماد عليها،
( رسائل ابن عربي)
* وقال مؤيد الدين الجندي:-
الكل يرون النعم والمواهب من الله تعالى(وَمَا بِكُم مِّن نعْمَةِ فَمِنَ اللَّهِ ) والناس في فهم النعمة والنعم علي طبقات :
فمنهم من يرى النعم كلها من الله تعالى ولكن بالأسباب التي هي غير الله .
ومنهم من لا يرى الأثر للأسباب والوسائط وهي سوى الحق تعالى كذلك كما يزعمون.
ومنهم من يرى الوسائط والأسباب أنها أيضاً من نعم الله تعالى
وجميع هؤلاء الأصناف محجوبون في عين الكشف ومشركون في عين التوحيد
لأنهم وإن وجدوا الله تعالى في رؤية النعم بأنها كلها من الله تعالى ولكنهم أثبتوا الوسائط وأثبتوا النعم والمنعم عليه
والحقيقة ترفض ذلك . فإذا وجد من يرى النعم الواصلة إليه من حيث إنها تلك العين الثابتة هي عين الحق عز وجل
فقد جمع بين رؤية النعم كلها من الله ورؤية المنعم عليه عين المُنْعِم وشهد أحدية الوجود على ما هي عليه الأمر في نفسه ( بلا حلول ولا اتحاد)
فكان هذا الإنسان هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى
( شرح الجندي علي فصوص الحكم )
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
.
* المراجع:-
* تفسير لطائف الإشارات للقشيري
* المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري موقف رقم ١٦٥ بتصرف يسير.
* الكواكب الدرية لمناوي وتذكرة الأولياء للعطار ترجمة أبا يزيد البسطامي
* شرح الجندي علي فصوص الحكم لابن عربي فص في كلمة شيئية
* رسائل ابن عربي
.
﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
[ سورة المائدة]
* أقوال العارفين في ذلك:
* الوجه الأول:-
ظاهر التوكل لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادَّ له
وحقائق التوكل التي لخواص المؤمنين شهود كل ما يحدث بالله ومِنْ الله ولله فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان
( لطائف الإشارات للقشيري)
* الوجه الثاني:-
أكثر الناس الكلام في التوكّل وحقيقة التوكل بأنه ثقة القلب وحصول الطمأنينة بوصول القسمة الأزلية للعبد
بحركة أو سكون من خير وشر ونفع وضرّ دين ودنيا وآخرة، قليلاً أو كثيراً، مؤقتاً محدوداً بزمانه ومكانه
وليس هذا إلاَّ من مقام الإيمان بأنه تعالى لا يخلف وعده في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾[ سورة هود ].
وأما العقل مجرداً عن الإيمان فإنه لا يعطي التوكّل بل يجوز أن الله يرزق عبده وأن لا يرزقه لأنه عز وجل لا يجب عليه شيء لأحد.
فليس التوكّل إلاَّ الثقة والطمأنينة لا ترك الأسباب مع الشك والاضطراب فليس هذا من التوكل المطلوب في شيء
ولو كان ترك السبب والحركة توكّلاً للزم إذا وضع الخبز بين يدي هذا المتوكل أن بألا يتناوله ويرفعه إلى فمه فإن هذا سبب وحركة لوصول الخير إلى بطنه
وإذا وضع الخبز في فمه يلزمه أن لا يمضغه ولا يحرك لساناً ولا غيره فإنه كلّها أسباب لوصول الرزق إلى البطن.
فلا يقول بترك الأسباب إلاَّ جاهل بالطريق وبالسنّة الشريفة فتارك السبب مع التمكن منه مأزور ( وعليه إثم ) بترك الحكمة وتعطيل صفة من صفاته سبحانه وتعالى
فمن نظر إلى باطن العارفين بالله تعالى تجدهم مثل جبلاً لا يتحرك ثابتّاً لا يتدكدك ليس لهم نظر إلى الأسباب ولا عبرة لهم بها.
ومن نظر إلى ظاهرهم رآهم كالطائر من غصن إلى غصن، ومن شجرة إلى شجرة
فهذ سيد العارفين وإمام المتوكلين سيدنا محمد ﷺ جنّد الأجناد وحفر الخندق، وادّخر قوت سنة لعياله ، وتداوى واحتجم وما ترك سبباً إلاَّ فعله
قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾
وقال تعالى. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾
إلاَّ من أقامه الحق سبحانه وتعالى في مقام التجريد وعسرت عليه الأسباب بحيث أنه لا يجد إليها سبيلاً ولو سعى
فهذا عبد كامل ولو ترك الأسباب ( وهذا قليل في الخلق بل نادر والنادر لا يعمم ولاحكم له )
وكذلك الزهد يتصوّره عوام أهل الطريق على غير وجهه وإنما هو صرف القلب عن الرغبة فيما سوي المولي عز وجل وفيما يقرّب إليه لا غير ذلك
فإنّ ما يزهد فيه إمَّا أن يكون من نصيب الزاهد وقسمته أو ليس من قسمته
فإذا كان من قسمته تناوله أحبّ أم كره ولا يندفع عنه ولو استعان بأهل الأرض والسماء
وإمَّا أن لا يكون مقسوماً له، فزهد في ماذا؟! أيزهد في قسمة غيره؟ فما قُدِّر لفكيك أن يمضغاه لابدَّ أن يمضغاه.
( المواقف الروحية للجزائري)
قال أبو يزيد البسطامي:-
* حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصرًا غير الله ولا لرزقك خازنًا غيره ولا لعملك شاهدًا غيره
( الكواكب الدرية وتذكرة الأولياء )
* وقال محي الدين إبن عربي:
الخالق سبحانه وتعالى يطلب المخلوق والمخلوق يطلب الخالق من كونه مخلوقا لذلك تعشق الإنسان بالأسباب ومال إليها فإن وجوده كان عن سبب وهو الله تعالى.
وكل اسم إلهي يطلب الكون ومن هنا وضع الله تعالى الأسباب وظهر العالم مربوطا بعضه ببعض
ولم يكلف الحق عباده الخروج عن السبب وقال للعبد أنا سببك فاعتمد علي وتوكل.
فالرجل من أثبت الأسباب ولو نفاها ما عرف الله تعالى ولا عرف نفسه. ومن عرف نفسه عرف ربه
كما ورد في الحديث ولم يقل الرسول عرف ذات ربه فإن ذات الرب عز وجل لها الغنى على الإطلاق.
ورفع الأسباب سوء أدب مع الله تعالى ومن عزل من ولاه الله تعالى فقد أساء الأدب وما أجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها
ومن ترك ما قرره الحق تعالى فهو منازع لا عبد، وجاهل لا عالم ومن قال بذلك فقد كذب
نفسه
فإنه إذا عطش سارع إلى شرب الماء، وإذا جاع أقبل على الطعام، وإذا نظر إلى شيء فتح عينيه، وإن لم يتنفس مات وكان قاتلا لنفسه وكل هذه أسباب .
وكلام أهل الله تعالى في ترك الأسباب له معنى آخر غير الذي توهمه عامة الناس، فهم يقصدون عدم الاعتماد عليها،
( رسائل ابن عربي)
* وقال مؤيد الدين الجندي:-
الكل يرون النعم والمواهب من الله تعالى(وَمَا بِكُم مِّن نعْمَةِ فَمِنَ اللَّهِ ) والناس في فهم النعمة والنعم علي طبقات :
فمنهم من يرى النعم كلها من الله تعالى ولكن بالأسباب التي هي غير الله .
ومنهم من لا يرى الأثر للأسباب والوسائط وهي سوى الحق تعالى كذلك كما يزعمون.
ومنهم من يرى الوسائط والأسباب أنها أيضاً من نعم الله تعالى
وجميع هؤلاء الأصناف محجوبون في عين الكشف ومشركون في عين التوحيد
لأنهم وإن وجدوا الله تعالى في رؤية النعم بأنها كلها من الله تعالى ولكنهم أثبتوا الوسائط وأثبتوا النعم والمنعم عليه
والحقيقة ترفض ذلك . فإذا وجد من يرى النعم الواصلة إليه من حيث إنها تلك العين الثابتة هي عين الحق عز وجل
فقد جمع بين رؤية النعم كلها من الله ورؤية المنعم عليه عين المُنْعِم وشهد أحدية الوجود على ما هي عليه الأمر في نفسه ( بلا حلول ولا اتحاد)
فكان هذا الإنسان هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى
( شرح الجندي علي فصوص الحكم )
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
.
* المراجع:-
* تفسير لطائف الإشارات للقشيري
* المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري موقف رقم ١٦٥ بتصرف يسير.
* الكواكب الدرية لمناوي وتذكرة الأولياء للعطار ترجمة أبا يزيد البسطامي
* شرح الجندي علي فصوص الحكم لابن عربي فص في كلمة شيئية
* رسائل ابن عربي
.