قطرة من بحر حكمة العارفين رقم ١٠١
نُشر في 30 يناير، 2026 21:16 • قراءة 4 دقيقة
* قال الحسن البصري : إنما خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات .
لأن تخليد الله العبد في الجنه ليس بعمله وإنما هو بنيته لأنه لو كان بعمله لكان خلوده فيها بمدة عمله أو أضعافه
لكنه جازاه بنيته لأنه كان ناويا أن يطيع الله حتي لو بقى أبدا فلما مات جوزي بنيته
وكذلك الكافر لأنه لو جوزي بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر مدة كفره لكنه نوى الإقامة على كفره أبدا ولو بقى فجوزي بنيته
.
( ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب)
قال الإمام أحمد الفاروقي السرهندي :-
* اعلم أن أصل كل بلاء إنما يكون من الابتلاء بالنفس ومتى تخلص الإنسان منها تخلص من الابتلاء بما سواه تعالى
واعلم أن فيض الحق سبحانه وتعالى على الدوام للخواص والعوام سواء كان من قسم الأموال والأولاد أو من جنس الهداية والإرشاد من غير تفاوت
وإنما نشأ التفاوت من القبول وعدمه ﴿ومٰا ظَلَمَهُمُ اَللّٰهُ ولٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
فالشمس تشرق على الثوب وعلى القصَّار ( طين دقيق الحبيبات يستخدم في تنظيف الثياب ) إشراقا واحدا فتسو الشمس وجه القصار وتبيض الثوب.
وعدم القبول لهذا بسبب الإعراض عن جانب الحق سبحانه وتعالى فإن المقبل علي ربه يقبل عليه كما قال النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الحديث القدسي: “من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعاً ... الحديث.".
والمعرض يعرض عنه كما قال النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: “فأعرض، فأعرض اللّه عنه” جزاء وفاقا وقال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ﴿نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ﴾
وفي الحديث (القدسي): “إنما هي أعمالكم أحصيها لكم” من غير زيادة ولا نقصان وكما قال “ كما تدين تدان” . “فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
فإزالة المرض القلبي بالذكر الكثير من أهم المهمات وعلاج العلة المعنوية من أعظم المقاصد والقلب المبتلى بالغير ( كل شئ سوي الله تعالى من ملاذ الدنيا وغير ذلك )
فإنه لا يرجى منه خير فلا يقبلون هناك إلا سلامة القلب وخلاص الروح ( انتهي)
* تطهير القلوب :-
عن طريق قراءة القرآن الكريم وهى أعلى الطرق لأهلها وبعضهم سلك من طريق الذكر وبعضهم من طريق تصفية الأخلاق بالسفر وبعضهم لخدمة الفقراء والصدقة
وبعضهم من طريق قراءة العلم والعمل به وبعضهم من طريق الأحزاب والطرق كثيرة جدا
وكلها هدف واحد وهو التخلى عن الشهوات المبعدة عن الله سبحانه وتعالى وأن يسير فيما فيه رضاه عز وجل فكل عمل أو عبادة صالحة مهما كانت وجدت قلبك فيها وحفزتك على الاستقامة فالزمها
ولكن أكثر العارفين وجدوا أن أقرب طريق للوصول إلى حضرة جناب الحق سبحانه وتعالى هو ذكر الله سبحانه وتعالى ليلا ونهارا
وذلك لا يتم للسالك فى بدء سيره وهو متفرق القلب ممتلئاً بالخواطر مشتغلا بالدنيا وقلبه ليس مجموعا على ربه جل جلاله
فإذا قرأ القرآن فى بداية طريقه كان فى اثناء القراءة متفرقا فإذا مر بقصص القرآن من قصص الأنبياء والمرسلين وأحوال الأمم السابقة والجنة والنار وهكذا انشغل بها وفكر فيها وكل هذا مما يزيد قلبه تفرقة
أما إذا كان التالى للقران الكريم يستشعر فى حال التلاوة تعظيم القرآن ويستغرق فى الحضور بين يدى المتكلم بالقرآن وأن المتكلم ربه علي لسان عبده
ويستحضر عظمة الحق بحيث أن ذلك يأخذه من خواطره ويبعده من تفرقته فذلك هو الجمعية الكبرى للقلب وبها يزداد قربا لا يعادله قرب الذكر ولا الأوراد والأحزاب التي وضعها العارفين ولا غيرها .
ولما كان غالب الخلق فى أسر نفوسهم وهم عبيد لشهواتها وقلوبهم متفرقة عن ربهم فإنهم فى مقام الضعفاء لا الأقوياء
فيؤمرون بقراءة شىء من القرآن لئلا يتصفوا بهجر القرآن ثم يؤمرونك بعد ذلك بالذكر بدأ من الاستغفار ولا إله إلا الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بأعداد كبيرة
ثم بعد فترة يراها العارف من حالك فيأمرك بذكر اسم واحد من أسماء الله الحسنى مما يناسب حالك ومقامك بحيث يكون هجيرك
أي تداوم عليه سرا وعلانية وصباحا ومساء وأنت ما ماش وأنت تعمل وأنت تأكل وانت نائم وفي كل وقت بلا توقف
حيث يمتزج الذكر بقلبك وروحك فهذا هو معني الهجير وقد تنوعت طرقهم فى ذلك والله أعلم