قطرة من بحر حكمة العارفين رقم ١٠٧

نُشر في 25 فبراير، 2026 22:12 قراءة 4 دقيقة

قطرة من بحر حكمة العارفين رقم ١٠٧ 

* القصد والنية والصدق والإخلاص*

* القصد والنية وانواعها:- 

القصد هو ما يكون العمل مبنيا عليه وهو أخص من النية فكل قصد نية وليس كل نية قصد

لأن النية قد تحصل للعبد قبل العمل، وبعد الشروع، وعند الفراغ من العمل والقصد لا يكون إلا قبل العمل

كما أن الشخص مثلا لو قصد في صدقته رياء أو سمعة فأخرج الدرهم من جيبه ثم عند العطاء الهمه الله تعالى أن يرجع عن ذلك القصد فنوى بالصدقة أن يدفع الله عنه بلية من البليات

ثم بعد العطاء الهمه الله تعالى  أن يجعل ذلك خالصا لوجهه سبحانه من غير طلب دفع بلاء ولا غيره فنوى تلك ورجع عن النية الأولى والثانية فهذا تنعقد صدقته بالنية الأخيرة

ولو كانت النيتان سابقتين فإن المذهب جواز الانتقال من السنة إلى الفرض وليس العكس.

وقد صرح العلماء في المحرم المطلق بأن له صرف إحرامه إلى ما شاء من الحج أو العمرة

والمحرم بالعمرة يجوز له أن يصرف إحرامه إلى القرآن بالحج فيدخل عليه الحج فيصير حج قران وهذه المسالة في الظاهر نظير مسألتنا في الباطن كالتالي: 

العمل معقود بأعلى النيات والمقصد هو الباعث الأول لذلك العمل

فمنكم من يكون مقصده بالعمل النجاة من النار أو الفوز بالجنة، وهذه مرتبة عوام المسلمين. 

ومنهم من يكون مقصده بالعمل طلب رضا الله عليه وهذا أعلى من الأول.

ومنهم من يكون مقصده من العمل تحقيق العبودية لوجه الله تعالى وليس للجزاء فكأنه يقول لا يطلب الجزاء إلا العبد الأجير والمملوك لا يستحق جزاء على مالكه

ومنهم من يكون قصده بالعمل يكون مشتغلا بالله بظاهره وباطنه لا يشغله شئ سوي الله سبحانه وتعالى 

ومنهم من يكون قصده بالعمل تهذيب النفس وإبعادها عن عادتها وطبيعتها.

ومنهم من يكون قصده بالعمل تعبدا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فهو مشرب من فضالة كأس (أفلا أكون عبدًا شكروا)  وهذا مقام العارفين.

ومنهم من يكون قصده بالعمل تشريعا لمن يتبعه ويعمل بعلمه فهو يغترف من بحر ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }

فانظر أي واحد منهم أنت وتلك درجتك ومقامك عند ربك عز وجل 

*  الإخلاص :-

هو عبادة الحق للحق لا لعلة ترجع إلى النفس بحال. فمنهم من يكون إخلاصه في الأعمال فيعمل لله عز وجل لكونه أمره بعبادته لا ليجازيه على العمل بشيء من ثواب الدنيا والآخرة

ولصحة حصول العبد في هذا المقام علامتان أحدها:    أن لا يلتفت إلى قول الناس فيه بوجه من الوجوه، فلا يعمل ليقولوا ولا يترك العمل لئلا يقولوا

الثانية:   علمه عند العمل أن ذلك الفعل بتوفيق الله تعالى وقدرته وإرادته. 

ومنهم من يكون إخلاصه رفع انتساب الفعل إلى نفسه بوجه من الوجوه فلا يرى له عملا بحال، فتكون أعماله كلها بالله ولله 

وهو الاشارة الى قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون) وقوله تعالى ( وما رميت اذ رميت ولكن الله رمي)

ومنهم من يكون إخلاصه براءته من صفات النفس لتعلقه بصفات الله تعالى فيكون سمعه وبصره وعلمه وقدرته وحياته وإرادته وكلامه منسوبا إلى الله سبحانه وتعالى

ومنهم من يكون إخلاصه أن لا يرى للأشياء قياما بنفسها بحال بل يكون دائم الشهود لقيام الأشياء بالله  تعالى فلا يرى حقيقة الوجود إلا الله سبحانه وتعالى كما قيل:

هذا الوجود وإن تعدد ظاهرا

وحياتكم ما فيه إلا أنتم
 
* الصدق:- 

 هو التوجه الكلي في طلب الحق قولا وفعلا وحالا وعزيمة، فلا تأخذه في الله لومة لائم.

فمنهم من يكون صدقه في الأقوال فلا يقدر على الكذب بحال ولا يكذب أحدًا فيما يقول

ومنهم من يكون صدقه في الأفعال فيكون مجدًا في طلب الله بصحة التجريد والانخلاع والاطراح وترك الرياسة واستعمال أحكام طريق العارفين على القانون المطلوب.

ومنهم من يكون صدقه في العزائم فيركب الأهوال في طلب الله تعالى ويبلغ في الاجتهاد غاية الإمكان

وهذا الرجل هو الصادق قولا وفعلا وحالا، فلا يصح جمع أنواع الصدق من كل وجوهه إلا لهذا النوع 

( الرموز الصوفية عند عبد الكريم الجيلي بتصرف للتوضيح )
.