حديث النبي ﷺ لَلشِّركُ فيكم أخْفى من دبيبِ النَّملِ

نُشر في 07 أبريل، 2024 19:33 قراءة 7 دقيقة

روي عن حضرة النبيﷺ

 يا أبا بكرٍ لَلشِّركُ فيكم أخْفى من دبيبِ النَّملِ والذي نفسي بيدِه لَلشِّركُ أخْفى من دَبيبِ النَّملِ ألا أدُلُّك على شيءٍ إذا فعلتَه ذهب عنك قليلهُ و كثيرهُ قل : 

اللهم إني أعوذُ بك أن أشرِكَ بك و أنا أعلمُ وأستغفِرُك لما لا أَعلمُ

( صحيح الأدب المفرد للبخاري و اخرجه السيوطي في  الجامع الصغير بنحوه عن السيدة عائشة رضي الله عنها ]

* أقوال العارفين في ذلك:- 

* وقال الإمام عبد القادر الجزائري في قوله سبحانه وتعالى

: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً* الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾[الكهف:].

الكفر جلي وخفي وقد ورد في البخاري
عن حضرة النبي ﷺ : «كفر دون كفر»
وهو مطلق الستر، ولذلك يسمي المزارع لارضه يسمّي كافراً ( لانه يستر البذرة تحت الأرض )

فالكفر الجلي هو ستر ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام وجحده، وهو المعروف

والكفر الخفي، الذي هو أخفى من دبيب النمل ستر الوجود الحق الواجب القديم الذي قامت به السموات والأرض وما بينهما

ونسبته للحوادث، بمعنى أن لها وجوداً مغايراً للوجود الحق: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي ﴾[الكهف].

أي كانت أعينهم محجوبة مغطاة عن رؤيتي فلا يروني ولا يتذكّرون وجودي مع ما يرونه من صور المخلوقات وأشكالها وألوانها وما قبلها وما بعدها

وكذلك قوله تعالى﴿ وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾  [الكهف:].

أي لا يقدرون أن يسمعوا منّي ما يسمعونه في ظاهر المخلوقات، مع أنني المتكلم من خلف جدار كل صورة

انظر إلى موسى (عليه السلام) سمع النداء من الشجرة، وعرف أنه كلام الله تعالى مع أن الشجرة في جهة له، والحق تعالى ليس في جهة.

والذي جعلهم لا يرون الحقّ في مظاهره وتعيناته، وكانت أعينهم في غطاء عن ذكره، أي عن تذكره عند شهود المظاهر

وكذلك جعلهم لا يستطيعون أن يسمعوا كلامه تعالى هو وقوفهم مع التنزيه العقلي المحض غير الممزوج بالتشبيه الشرعي

وما علموا أنه تعالى منزّه مقدس عن الحلول والاتحاد والامتزاج عند ظهوره بالمظاهر من اسمه تعالى الظاهر  ومن حيث أن الظاهر هو عين المظهر

فيوصف تعالى بأوصاف المحدثات، ويحكم عليه بأحكامها ومن ذلك ما ورد في الحديث الربّاني في صحيح مسلم: ((مرضت فلم تعدني، واستطعمتك فلم تطعمني)).

وقال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ 

ويسمى بجميع أسماء المحدثات، كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾

فكل ما ورد في الكتاب والسنّة من المتشابهات فمحله مرتبة الظهور والتعين بالمظاهر، من اسمه تعالى : الظاهر

وكلّ ما ورد في الكتاب والسنة من التنزيه فمحله مرتبة التجرّد عن المظاهر من اسمه تعالى: الباطن

فاعرف هذا مع اعتقاد التنزيه في التشبيه فإنه الحق الذي لا يشك فيه إلاَّ محجوب بعقله.

( المواقف الروحية للجزائري موقف ١٧٣ )

* وقال محي الدين ابن عربي:- 

الشريعة :   طالبتنا بإضافة الأفعال إلى أنفسنا في الظاهر لاجل القيام بالتكاليف الشرعية وتقديس الربوبية عن وجود الظلم

والحقيقة :  طالبتنا بإضافة الأفعال إلى نفسها تعالى في الباطن لأجل الانفراد بالملك والتنزيه عن الضد والند والتطهير من الشرك

والطريقة  : طالبتنا بإضافة الأفعال إلى الله تعالى في الباطن وإلينا في الظاهر مع فناء وجودنا في وجوده واستهلاكنا في عينه

ومتى انحرفنا عن هذا السبيل ضل جميعنا وغوى في أودية الشكوك والأوهام وتاه في [ مهواة ] الجهل بالملك العلام

وذلك لفقدان إفراد الإله بالخدمة وعدم تخصيصه بالعبودية وهو الإخلاص، الذي أمرنا به الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال سبحانه وتعالى : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)

* وقال أبي القاسم الجنيد  : 

إياك أن تقف في حضرة شهود الفعل لله تعالى وحده دون عبادة فتقع في مهواة من التلف ولا ترى لك مع ذلك قط ذنبا فتهلك مع الهالكين ومن ذلك هدم الشرائع كلها

( الفتوحات المكية لابن عربي في الباب ٢٢) 

* قال العارف بالله الملأ موسي الكردي :- 

إذا لم تفن أنت أيها السالك الطالب للتوحيد الموجب للنجاة الأبدية ما هو منسوب إليك

بأن ترى الأفعال والحركات والسكنات لك وصادرة منك وأنت فاعلها فإنك تبقى في الشرك الخفي الموجب للحرمان من الدخول في حضرة القدس

لأن كلك شرك خفي كما قال الشيخ الولي الكامل رسلان قدس الله روحه في رسالته.

والدليل على هذا قوله تعالى:﷽

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ،

فالمراد الشرك الخفي وإلا فلا يجتمع مع الإيمان الشرك الجلي ومعنى كون الشرك الخفي هو أنه يشرك بالله من وجه لا يشعر به وهو في التوحيد

وخفاء هذا الشرك إنما هو عن العوام وأما الخواص فليس يخفي عندهم لأنهم لا يرون غير الله ( فاعلا لكل وبكل شيء )

* وقال أيضا محي الدين ابن العربي:

 أفن ما أُضيف إليك تبق بما أضيف إليه
أي: أزل وارفع عنك كل ما أضيف ونُسب إليك من ذاتك وأسمائك وصفاتك وأفعالك  بأن لا ترى لك وجودًا واسما وصفةً وفعلاً وحكمًا

وتتحقق بما قال الله سبحانه وتعالى ﷽ [ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ] 

يعني ظهر بصورتكم وصورة أعمالكم
فهو تعالى ما فقد في أعمالكم كما أنه ما فقد في ذواتكم فإثبات ما ليس بثابت محض دعوى ونزاع و لا يليق بالعبد النزاع مع سيده

* وقال  ابن عطاء الله السكندري:-

تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه تحقق بالذل يمدك بعزته تحقق بفقرك يمدك بغناه تحقق بعجزك يمدك بقدرته تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته

وقال إبراهيم الدسوقي :- 

أتظن أنك من الإله قريب وأنه عنك راض اتعتقد بصلاتك تصل إليه ام بصومك تكون قريب منه كلك شرك في أفعالك واقوالك

شرك الأفعال العطاء والمنع والزهو والكبر وهو وصف الرب وليس وصف العبد

شرك الأفعال بظنك ووهمك أنك بصيامك صمت وبصلاتك صليت وبحجك حججت واعتمرت ونسيت أن كل ذلك فضل من ربك عليك

فإن تكلمت فبأمره وإن صمت وصليت فبإردته وتوفيقه وان نمت واكلت وشربت فبقدرته

 لأن الماء لا يرويك إلا بإذنه والجسد لا ينام ويشعر بالراحة إلا بإذنه ولا تشبع إلا بإذنه
سبحانه وتعالى 

 الأسباب لا فعل لها وافعالك لا وجود لها وصفاتك لا أساس لها

فكيف تجرؤ أن تدعي الحب والقرب منه وقد اشركت في الظاهر والباطن بفعل وقول ووصف ههيهات ذلك لا يكون أبدا

فلا يدخل حضرته إلا المنكسر الذليل لا يدخل محفل قدسه إلا من صام وصلي وتعبد بربه لا بنفسه

من عرف نفسه عرف ربه عرفت نفسك بالذل فقد عرفت ربك بالعزة عرفت نفسك بالافلاس من كل قول وعمل وعبادة

وأن ذلك فضل ربك عليك وأنت لا تستحقه فقد عرفت ربك وصرت أهلا لحضرته

ومن الشرك الخفي أن تتوكل علي ربك كذبا لو كنت متوكلا لرضيت بقدره ولم تقل لما وكيف ولماذا

وتعتمد علي أسباب المعيشة من تجارة ومرتب ووهمت أنك بذلك متوكلا علي ربك لو كنت متوكلا لسلمت الأمر لله وحده ورضيت بما يجري عليك

ومن شركك الخفي فيك وأنت لا تدري بما فيك أن تكون لك إرادة غير إرادة مولاك هذه دعواك لنفسك والحقيقة غير ذلك

لأنك تريد تغير ما قدره عليك بالدعاء برفع بلاء أو غلاء أو فتنة نزلت بك أو جلب نعمة لم تصل إليك

* وقال  ابراهيم الدسوقي :- كن ابن الأزل وليس ابن العمل .

فخذ بالاسباب والقلب مع الله وليس مع الأسباب

 ابن الأزل معناه :- أن تعيش راضيا بما يجري عليك لا تريد تغييره أو زيادة من نعمة أو رفع بلاء

وابن العمل : معناه أن تظن بعملك أنك وصلت وعرفت ربك وانك تستحق ما أعده لك من ثواب

 ونسيت فضله عليك وإن المكتوب لن يغيره من أجل هواك وشهوة نفسك وتدبير عقلك

فتعلق بالله وبما سطره لك في علمه وأمره وحكمه واعمل وتعبد لأنك عبده فقط وهو ربك وكن بين خلقه كما أراد أن تكون وليس كما تريد

فكن متصفا بالعبودية لا الربوبية تنجو من الشرك في نفسك وتكون من أهل وداده وحبه

والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وضلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

*المراجع :-

*صحيح الجامع الصغير للسيوطي 
*شرح حكم الشيخ محي الدين ابن العربي 
   للملا موسي الكردي ص ٦٩-٧٠ طبعة 
   العلمية

* لمواقف الروحية للجزائري موقف ١٧٣ 
*  الفتوحات المكية لابن عربي في الباب ٢٢ ا
*رسالة التوحيد لارسلان الدمشقي 

*الحكم العطائية لإبن عطاء الله السكندري *الطبقات للشعراني ترجمة الإمام ابراهيم الدسوقي
  • .