قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [ سورة يونس: 62].
الولي هو الذي تحقق فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به... الحديث
ولا تظن أن الولاية فقر واحتياج بترك الدنيا بل الزهد فيها بأن تكون في يدك لا في قلبك والعمل فيها لله ومن الله وبالله فلا حظ للنفس منها في شيء لا دنيا ولا آخرة
يقول الحلاج: من لاحظ الأعمال حجب من المعمول له - الله - ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية الأعمال".
ومن زهد في الدنيا مع أنه امتلكها فمثل الأنبياء كسيدنا سليمان فلقد كانت له الدنيا بحذافيرها وكانت في يده ولم تشغله عن ربه ومن أوليائه العارفين سيدنا عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز وذي القرنين
وفي العصر الحديث والقريب العهد الإمام أبو حامد الشاذلي والمجاهد عبد القادر الجزائري والشعراوي والإمام حسن عباس زكي وغيرهم الكثير
فالزهد الحقيقي ألا يشغلك شئ عن ربك وان تؤثره علي هواك ومراد نفسك فمن خالف هواه وصل لمولاه
وإذا كان ربك جل جلاله يتقرب ويتودد إلي من يعاديه ويغفل عنه لأنهم عباده فكيف لا يتودد ويتقرب الي من يذكره ويناجيه ويعمل بما يرضيه
* أقوال العارفين في الآية:
* قال الإمام القشيري :-
علامة الولي ثلاث: شغله بالله وفراره إلى الله وهمه الله جل جلاله
وقال أبو سعيد الخراز رضي الله عنه:
إذا أراد الله أن يوالي عبداً من عباده فتح عليه باب ذكره ( دوام الذكر ليلا ونهارا في كل الأحوال بقلبه ولسانه قلبه مع الناس ببدنه ومع ربه بقلبه يعمل بالنهار وذكره لا يتوقف ويتعبد بالليل وذكره كذلك)
فإذا اشتد ذكره فتح عليه باب القرب ثم رفعه إلى مجلس الأنس ثم أجلسه على كرسي التوحيد ثم رفع عنه الحجب وأدخله دار الفردانية
وكشف له عن الجلال والعظمة فإذا عاين ذلك بقي بلا هو فحينئذٍ يفني عن نفسه ويبرأ من دعاويها ( فلا ينسب لنفسه عمل أو عبادة لأنه يعلم حقيقة بأنه لا حول ولا قوه الا بربه )
* وقال الإمام الجزائري:-
جمهور المحققين من أهل الله تعالى على أن الولاية مكتسبة وهو طلب الشيء بقوة واجتهاد
فالعمل لأجل تحصيل الولاية التي معناها القرب من الله تعالى ( يكون ) برفع الحجاب وإخلاص العبودية لله وصدق التوكل عليه والانحياش ظاهراً وباطناً إليه
( فهذا ) ليس بعلّة قادحة في العبادة كما قال تعالى في الحديث القدسي «لا يزال العبد يتقّرب إلي بالنوافل».الحديث، إشارة إلى ما ذكرنا
فإن العبد يطلب القرب ومن المعلوم أن الإخلاص في الأعمال واجب بإجماع وأجمع أهل الله تعالى أنه لا يصح الإخلاص لأحد إلاَّ بعد موت النفس
وموت النفس لا يكون إلاَّ بعد معرفة حقيقتها التي هي شرط في معرفة ربها، فمن البعيد أن يكون هذا القصد والطلب علّة قادحة في العبادة لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلاَّ به فهو واجب
وأما إذا قصد بالعمل الولاية التي معناها ظهور الخوارق والكرامات وانتشار الصيت وإقبال الخلق فهذا لا يشك أحد أنه علّة
بل شرك وعليه يحمل قول من قال: «لا يصل أحد إلى الله تعالى مادام يشتهي الوصول إليه».
وعندي: أن بداية الولاية بمعنى التوفيق لطلبها موهبة، لأنها حال، والأحوال مواهب ووسطها اكتساب لأنه جد واجتهاد، وارتكاب أهوال ورياضات ومجاهدات. وآخرها ولا آخر ونهايتها ولا نهاية مواهب.
والقرب من الحق تعالى قرب معنوي. وليس ذلك إلاَّ برفع حجاب الجهل، وإلاَّ فالحق أقرب إلينا من حبل الوريد، فما أبعّدنا إلاَّ الجهل بالله تعالى
ولا قرّبنا إلاَّ العلم وقوله تعالى: ﴿فإذا أحببته كنت سمعه﴾. الحديث. أي أزلت عنه حجاب الجهل، فعرف الأمر على ماهو عليه
وهو ما بينّه في آخر الحديث لا أنه حدث شيء لم يكن ( اي لا تظن أن المولي لم يكن سمعك وبصرك بل هو كذلك تسمع به وتبصر به لكنك لم تكن تشهد ذلك ثم صرت تشهد وتعلم ويكون ذلك )
برفع الحجاب عن المتقرب بالنوافل ( بالصلاة والذكر وصلة الرحم وخدمة الناس وأهله خاصة وعشيرته وجيرانه ومعونة الناس بالمال والبدن ...الخ )
وهذه المرتبة أول مراتب الولاية.
* وقال الإمام ابن عجيبة الحسني:-
الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصة
فالولاية العامة هي التي ذكرها الحق تعالى: فكل من حقق الإيمان والتقوى فله من الولاية على قدر ما حصًّل منها
والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء ( وهو الذي يجمع ) بين الحقيقة والشريعة بين الجذب والسلوك مع الزهد التام والمحبة الكاملة وصحبة من تحققت ولايته
فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام ـ عن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال: ( الذينَ نَظَرُوا إلى بَاطِنِ الدنْيَا، حينَ نَظََرَ النَّاسُ إلى ظََاهِرهَا، واهْتَمُّوا بآجِلِ الدُّنيا حِين اهتَمَّ النَّاسُ بعَاجِلِها ..الخ الحديث. )
فالفناء هو نهاية السير والوصول إلى الولاية فَمن لا فناء له لا محبة له ومن لا محبة له لا ولاية له.
وإلى ذلك أشار ابن الفارض رضي الله عنه، في تائيته بقوله :
فلمْ تهْوَني ما لم تكنْ فيّ فانيّا
ولم تَفنَي ما لَمْ تَجتَل فيكَ صُورتي
( فالفناء أن تشهد وتري ربك مطلع علي كل أفعالك ومعاملاتك وأقوالك وخواطرك فتكون حركاتك وسكناتك مرضية عنده )
والله سبحانه وتعالى أعلي وأعلم وأحكم وصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
* المراجع:-
* صحيح البخاري ومسلم
* لطائف الإشارات للقشيري
* المواقف الروحية لعبد القادر الجزائري
موقف رقم الموقف ٦٧ بتصرف يسير
* البحر المديد لإبن عجيبة الحسني بتصرف
* تائية عمر بن الفارض
* الحلاج لطه عبد الباقي سرور ص ٣٩
.قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [ سورة يونس: 62].